التأصيل النظري للانتقال من واقع الثورة إلى بناء الدولة……

 

كاريكاتير الثورة1- الثورة (المفهوم – الدلالات)

يعد البحث في مفهوم الثورة وتعريفها من أعقد القضايا في العلوم الاجتماعية والسياسية، إذ يأخذ المصطلح أبعاده من الواقع الاجتماعي والسياسي لكل حالة من الحالات، فما يعَّرف على أنه ثورة في حالات ومواضع يمكن أن يأخذ توصيفات أخرى من قبل فئات اجتماعية أو سياسية أو حتى في لحظات تاريخية مختلفة.

ويشير مصطلح “ثورة” في اللغة العربية إلى حالة الهياج التي ترافق الأوضاع غير الطبيعية، كما يعد مصطلح “الخروج” أقرب مصطلحٍ لمفهوم الثورة الحالي في الفكر السياسي الاسلامي، مع الأخذ بعين الاعتبار للفوارق بين المصطلحين.

لكن، وبشكل أكثر تحديداً يمكن تعريف المصطلح على أنه تغيير عنيف وجذري للمؤسسات السياسية والبنى الاجتماعية والاقتصادية في دولةٍ ما.

ورغم عمومية هذا التحديد للمصطلح إلى أنه الأقرب إلى واقع الحالات الثورية الراهنة وأهدافها، ويتضمن جملة من العناصر هي:

– التغيير: وفيه تتمكن الجماعة الثورية من إزاحة النظام القائم ووضع نظامٍ جديد مستمدٍ من أيديولوجيا جديدة تعتبر المنطلق في إدارة الواقع المستحدث بعد الثورة.

– العنف: لا بد أن تتضمن الثورة درجة ما من استخدام العنف من جانب الجماعة الثورية ومن جانب الجماعة المضادة للثورة، وهنا يجب التمييز بين عنف الثورة، وهو العنف الجماهيري المنظم، وغيره من حالات العنف المجتمعي. فالعنف الثوري يجب أن يعبر بوضوح عن الجماعة الثورية وتماسكها، ووجود برنامجٍ سياسي مرحلي لها (على الأقل في مرحلة الثورة)، بحيث ينظم الفعل الثوري العنيف في أطر محددة يخدم البرنامج السياسي للثورة ككل.

– الجذرية في التغيير:  يعبر المصطلح عن القفزة في التغيير بعيداً عن التدرج الذي يعبر عنه مصطلحٌ آخر، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن مصطلح الثورة المستخدم حالياً في المفردة السياسية واللغوية العربية ذو أصلٍ إنكليزي، فإن الدلالة القطعية لـ Revolution   (قفزة نوعية تقطع ما سبقها وتنفيه) تختلف عن Evolution والتي تعني التطور المتصل والتدريجي.

– إن استخدام مفردة التغيير يجب أن يتضمن بلا شك الخطوط العامة للمشروع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المراد تطبيقه، كما أن على هذا المشروع أن يتضمن القيم الثورية التي تتعلق بالأيديولوجيا التي تتبناها الجماعة الثورية.

– يقصد بالجماعة الثورية الحامل الأساسي للثورة، ويضم في تعريفه البنى السياسية والفكرية المنظرة للثورة، والأفراد والجماعات الممارسة للعنف الثوري، ويجب أن يحمل كلا الطرفين الفكر العام نفسه بحيث يمكن فرض البنية الجديدة عبر اقتناع صفوف الجماعة الثورية ككل بعدالة التغيير المنشود وأهميته، ولا يمكن أن يتم ذلك ما لم تتطور قيادة الجماعة الثورية من داخل مجتمعها وأن تعبر عن نمط الثقافة السائد

2- بناء الدولة (المراحل – المتطلبات – الصعوبات)

غالباً ما تكون الثورة نتيجةً للمشكلات الهيكلية والقيمية والسياسية المختلفة الموجودة في نظامٍ ما، وهذا الأمر يستفز عدداً من الجماعات ذات الانتماءات المختلفة لمعارضة النظام القائم والثورة عليه بغية تغييره. وتشترك هذه الجماعات في فكرة تغيير النظام، ولكنها تختلف فيما بينها في العديد من النقاط الأخرى التي تبدأ بكيفية احداث التغيير المطلوب، وشكل البديل السياسي، والتنظيم الذي تعمل من خلاله، ودور كلٍ منها في التحالف الثوري المؤقت المشترك في موضوعة تغيير النظام القائم. وهذا التنافس الضمني يتم في الحالات الناجحة للثورة تأجيل الاعلان عنه حتى تنجح الثورة، وهو ما يؤجل مشكلات التحالف لفترة تالية دون أن ينهيها، في حال كانت للجماعة الثورية رؤية حقيقية وخطة واضحة لتغيير النظام. أما في حال ظهور الخلافات قبل تغيير النظام فإن ذلك يعكس التشوه البنيوي في تشكيل الجماعة الثورية، ويؤدي إلى تأخر النجاح الثوري فترات طويلة أو ينذر بفشل عملية التغيير ككل.

وفي حال توافر الشروط الموضوعية والذاتية لنجاح الثورة فإن ما يعقب النجاح الثوري يعد أعقد وأكثر دقة ويتطلب فهماً واضحاً للواقع الجديد وآليات التعامل معه. ويمكن تقسيم مرحلة ما بعد نجاح الثورة إلى فترتين، هما المرحلة الانتقالية، ومرحلة الدولة وتتطلب كل مرحلة نمطاً محدداً من الفهم والتعامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي يجب توافره لنقل المرحلة الثورية إلى مرحلة انتقالية ناجحة ومن ثم مرحلة الدولة المستقرة.

2-1- المرحلة الانتقالية

ترث المرحلة التالية لنجاح الثورة عدداً من التناقضات الكامنة والآثار الناجمة عن مرحلة الثورة وكلما طالت مدة الثورة كلما تزايدت التناقضات وورثت المرحلة الانتقالية مزيداً من الدمار والآثار الاقتصادية والاجتماعية الموروثة عن المرحلة السابقة نتيجة استخدام العنف من قبل الجماعة الثورية ومن قبل النظام السابق. وتعتبر مسألة سيولة التنظيم السياسي والتحالفات المتغيرة من أبرز المشكلات التي يعانيها المجتمع في المرحلة الانتقالية، ما يجعلها تتميز بسمات خاصة تنعكس على المجتمع ككل بصورة تراجع الأمن والضبط المجتمعي، نتيجة عدم تبلور البديل الذي يملك سلطة القسر في الدولة عادة.    

وعقب انهيار النظام السياسي تحدث حالة من الفراغ السياسي والقانوني إلى أن تستطيع النخبة الجديدة السيطرة على مؤسسات السيطرة والضبط ، كالجيش والشرطة والقضاء لضمان إحكام سيطرتها على الدولة. ويؤثر على هذه النقطة بالتأكيد ويؤخرها تغير التحالفات وتبدلها بين مكونات الجماعة الثورية، إذ تتغير التحالفات السابقة بشكل دراماتيكي أما كلياً أو على قضايا محددة وتنجح النواة الأكثر صلابةً وتنظيماً في فرض رؤيتها وتشكيل التحالف الأكبر.

وعادة ما يلجأ هذا التحالف الجديد لاختيار شخصٍ يحظى بإجماعٍ وطني من جانب مختلف النخب المشاركة في الثورة ليكون على رأس النظام الجديد لفترة معينة، وبذلك يحقق التحالف الجديد ما يمكن وصفه بالإجماع الوطني ويتجنب كسر التحالف الثوري أو اعادة تشكيله بحيث يتغير مكونه الأبرز نتيجة تكتل القوى الأخرى ضد نواة التحالف الجديد. كما أن المرحلة الانتقالية وخصوصاً فترتها الأولى ستحمل كثيراً من الأخطاء والعقبات ستتحمل نتيجتها نواة التحالف الثوري فتلجأ عادة لاختيار رمزٍ من خارج أطرها التنظيمية للتقليل من تبعات صعوبات المرحلة الانتقالية عليها مجتمعياً، والخروج بالنخبة السياسية الأقوى سليمة في المراحل التالية.

وكلما كان التحالف الثوري منسجماً ويضم قوى متشابهة من حيث المرجعية الفكرية كلما كانت الاختلافات والخلافات بين أركان التحالف أقل ويمكن معالجتها بصور وأساليب سلمية، أما وجود تكتلاتٍ متناقضة في الفكر السياسي فتوحي بعنفية الحلول التي قد تنشأ نتيجة الخلافات التي لا بد منها في المرحلة الانتقالية بين التكتل الثوري المتحالف خلال المرحلة الانتقالية. ويرى بعض الباحثين السياسيين أن النخبة الثورية ذات الروابط الحميمة مع نخب أخرى هي أكثر أرجحية في أن تبني نسبياً سياسات ما بعد ثورية على أسس تعددية ومفتوحة، بينما تميل النخب المعزولة في حال نجاحها في الثورة إلى أن تقيم أنظمة حكم معزولة وإكراهية.[1]

وبشكل عام فإن الفترات الأولى من المرحلة الانتقالية تتسم بالعنف النسبي واستخدام القرارات الاستثنائية لتصفية العناصر المعارضة في داخل التحالف باسم حماية الثورة الوليدة، وتتحول في المراحل التالية للجوء بشكل متزايد للقانون ولو بشكل ظاهري لتصفية الخلافات باسم حماية الدولة.

ويرتبط بالنظام الجديد (المرحلة الانتقالية) ثلاثة أنواعٍ من المؤسسات هي: مؤسسات مستمرة من النظام القديم، مؤسسات معدلة لتتوافق مع ايديولوجية الجماعة الثورية، مؤسسات مستحدثة. وغلباً ما تترافق المراحل الانتقالية بعد نجاح الثورات مع إصلاحٍ مؤسساتي شامل، ومع ذلك فكل ترتيب مؤسساتي جديد سيترك رابحين وخاسرين، والخاسرون سيعمدون إلى الدفاع عن مصالحهم وحماية مواقعهم، وفي أحيان أخرى تكون المسألة مسألة وعي وإدراك إذ لا يتفهم المجتمع الكفاءة أو عدم الكفاءة للمؤسسات البديلة.[2]   

وهنا تكمن أهم عمليةٍ في هذه المرحلة، وهي توضيح الهدف من المؤسسات الجديدة على أن يلاقي ذلك الاجماع المجتمعي المطلوب لنجاح أي عمل مؤسسي. كما تتطلب المؤسسات الجديدة أو المعدلة وحتى المستمرة من النظام السابق أربعة معايير أساسية للحكم على مدى كفاءتها وهي: أولها، قدرة المؤسسة على التكيف مع مختلف الظروف المجتمعية التي تؤدي إلى تغيير في واحد أو أكثر من قواعد حركتها أو الوظائف المنوطة بها أو الموارد المتاحة لها. وثانيها، يجب أن ينسجم مستوى التقسيم في المستويات الداخلية للمؤسسة والعلاقات المرتبطة بها ووظائفها مع مستوى المجتمع، فالتقسيم الداخلي للمؤسسة في المجتمعات الكثر تطوراً لا بد أن يعكس درجة من التعقيد في المستويات الداخلية للمؤسسة ووظائفها وعلاقاتها. وثالثها، التماسك ويقصد به ولاء العاملين في المؤسسة واستجابة أعضائها لأزمات تغيير القيادة. ورابعها، استقلال المؤسسة عن الضغوط المباشرة للجماعات السياسية المختلفة.[3]  

وهنا لا بد من الاشارة إلى أهمية ارتباط المؤسسة بالمجتمع وأن تكون نتيجة طلب من المجتمع أو تلبية لحاجة من حاجاته الأساسية في هذه المرحلة، وأن تعبر عن ثقافته بحيث يمكنه التفاعل معها.

و تواجه المرحلة الانتقالية معضلة أساسية تتمثل في التخبط والعشوائية في بناء المؤسسات، أو استحداث مؤسسات لا تلبي حاجات مجتمعية بقدر ما يكون وراء انشائها عوامل فردية تتمثل في رغبة القوى التي تتحكم بالمرحل الانتقالية من ضمان حصتها في الموارد المتاحة أو في المرحلة التي تلي المرحلة الانتقالية، وبذلك تجير المرحلة الانتقالية لما يخدم مصالحها في مرحلة الدولة.

ويلحظ في المراحل الانتقالية بعد نجاح الثورات مسألة العلاقة بين الجيش أو الثوار المسلحين والجناح المدني للثورة، وهذه الاشكالية تستمر في التفاعل إلى ان يفرض أحد الطرفين رؤيته، لجهة تبعية أحدهما للآخر، وكلما كان الخلاف بين الطرفين أقرب إلى التسوية السلمية والسريعة كلما كانت فرص نجاح المرحلة الانتقالية أكبر، أما إذا تصاعد الخلاف بين الطرفين فإن فرص ارتداد الوضع إلى حالات أشد تعقيداً من المرحلة الثورية متاحة بشدة، كما أن فرص انقلاب الطرف الذي قامت عليه الثورة على الثورة ذاتها تتزايد بحيث يأخذ الوضع الجديد اتجاهاتٍ ارتكاسيه وأحياناً انقلابية بالكامل نحو تراجع الثورة لمصلحة النظام السابق، أو بعض رموزه على الأقل.  ويخطئ من يظن أن المرحلة الانتقالية لا تحمل في طياتها فرص تراجع الثورة أو خسارتها (الثورة المضادة)، فالمرحلة الانتقالية هي مرحلة ثورية بل يمكن وصفها على أنها المرحلة الحاسمة لتحديد نتائج الثورة ويجب أن تأخذ من العناية والتخطيط المطلوب أضعاف ما تتطلبه الثورة.

ويلحظ عادة في المراحل الانتقالية لما بعد الثورات تغير في الثقافة السياسية للمجتمع، وهنا تجدر الإشارة أن الثقافة السياسية لمجتمع ما يمكن تقسيمها إلى ثقافة الخضوع Subject Culture وهي الثقافة المرتبطة بالأنظمة الشمولية ويلحظ فيها طاعة المواطنين للحكومة التسلطية دون اعتراض. وثقافة  المشاركة Participant Culture التي تعبر عن مواطنين لديهم معارف وهموم سياسية ويتقدمون بمطالب محددة للسلطة الحاكمة، ولديهم نزعة الاعتراض على القرارات التي لا تنسجم مع معارفهم ومطالبهم.

ففي المرحلة الانتقالية على السلطة أن تعي التحول في الثقافة السياسية الناجم عن مرحلة الثورة، من ثقافة الخضوع إلى ثقافة المشاركة التي تعد مطلب أي ثورة، وهنا يجب أن تأخذ هذه القضية الدقيقة أهمية كبرى نتيجة كثرة الاعتراضات التي ستواجهها الحكومات الانتقالية. 

وتحمل المراحل الانتقالية أيضاً اشكالية كبرى تتمثل بالحاجة للمساعدة الخارجية المادية والاستشارية وغيرها، ومخاطر هذا التدخل في نفس الوقت. وهنا فلا بد للسلطات الانتقالية من أن تعي أهمية عدم التعهد بالتزامات دولية ترهق المرحلة القادمة وتفرض عليها اتفاقات أو معاهدات لا تخدم مصالح الدولة. لذلك يجب تجنب إطالة الفترة الانتقالية لأنه يحمل مخاطر كبرى تتمثل في التدخل الخارجي المباشر، وتنشيط فرص حدوث الثورة المضادة.

2-2- مرحلة الدولة     

تعد المرحلة الانتقالية مرحلة مؤقتة بين لحظة نجاح الثورة وسقوط النظام السياسي السابق وبين بناء الدولة الجديدة. ويقصد ببناء الدولة الجديدة هنا وفق المصطلح السياسي العلمي الموافق بناء النظام السياسي الجديد، والنظام السياسي وفق التوصيفات الأكاديمية يعبر عن نظام الحكم، وهو بهذا المعنى يشمل جملة القواعد المكتوبة والمطبقة التي تحكم جماعة بشرية في لحظة تاريخية معينة، وهي هنا ووفق المدرسة السلوكية لدراسة النظم السياسية تعبر عن التخصيص السلطوي للقيم ذات الشأن في المجتمع.

ويتكون أي نظام سياسي من ثلاثة عناصر أساسية هي الحكومة والمؤسسات السياسية، نظام التدرج الاجتماعي (الاطار الاجتماعي)، والثقافة السياسية.

ويخطئ من يعتقد أن الحكومة تتمثل في الجهاز التنفيذي بل تتعدى ذلك السلطات التشريعية والقضائية، فالحكومة كما يرى علماء السياسة تقوم من الناحية البنائية على خمسة عناصر تتمثل في: نظام سلطوي لصناعة القرار، نظام للمحاسبة والمراقبة، نظام للإرغام والعقاب، نظام لتجديد الموارد، نظام للتجنيد السياسي وتحديد الأدوار.[4]

ويعبر الاطار الاجتماعي للنظام السياسي عن المجموعات الاجتماعية الدينية والعرقية واللغوية، والقوى الفاعلة في المجتمع من أحزاب ومؤسسات وجمعيات وغيرها.

وتعبر الثقافة السياسية عن أنماط القيم والثقافة السائدة في المجتمع والممارسة السياسية والتي تحدد نمط الشرعية في ممارساتها، ونمط الأيديولوجيا المهيمن وعلاقة الثقافات الفرعية للمجموعات الاجتماعية والسياسية مع الثقافة المهيمنة للنظام السياسي.

ولذك فإن بناء الدولة الجديدة يقصد به بناء النظام السياسي الجديد والذي يجب أن يتضمن العناصر السابقة كلها، إذ يتم التأسيس لهذه العناصر خلال المرحلة الانتقالية. وهنا تبرز اشكالية جديدة تتعلق بنقطة التحول من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الدولة، وذلك لصعوبة تحديد نقطة الفصل بينهما. فالمرحلة الانتقالية يمكن تحديدها بلحظة سقوط النظام السابق، أما مرحلة الدولة فمن الصعوبة الاشارة إلى نقطة زمنية محددة تشكل نقطة التحول بين المرحلة الانتقالية ومرحلة الدولة، وذلك نظراً للتداخل بين المرحلتين.

ومع ذلك فهناك مؤشراتٌ محددة تتعلق بأركان النظام الساسي من حيث التأصيل للانتقال إلى مرحلة الدولة وهذه المؤشرات هي:

المؤشر الأول: المؤسسات السياسية وهي باختصار الأجهزة المختصة باتخاذ القرارات السيادية للدولة، وهنا لا يسعنا الحكم على نوعية هذه المؤسسات ولكن كمؤشر للانتقال يمكن الحكم على مدى التزام النظام السياسي الجديد بهذا الاطار المؤسسي الذي ارتضاه لنفسه لتتم ادارة العملية السياسية من خلاله. ويعد هذا المؤشر الأبرز في طريق التحول نحو الدولة، إذ لا تخضع المرحلة الانتقالية إلا لجزء من هذا الالتزام أما النظام السياسي في مرحلة الدولة فيجب عليه العمل وفق الاطار القانوني والمؤسسي الذي رسمه لنفسه ونال عليه الاجماع المطلوب مجتمعياً. ولذلك فكلما زاد التزام النظام السياسي الجديد بهذه المؤسسات وبتراتبيتها عنى ذلك مراحل متقدمة على متصل الانتقال إلى الدولة.

المؤشر الثاني: آليات إدارة العلاقات الداخلية داخل الاطار الاجتماعي للنظام السياسي – وقد سبق توصيف الاطار الاجتماعي وتحديده- ولذلك فلا بد للدولة أن يكون لها آليات محدده يتم من خلالها حل المشكلات والأزمات الداخلية للنظام، عبر مجموعة مستقرة من الاجراءات والقواعد التي يتم من خلالها حل الأزمات السياسية سواء بين المؤسسات أو النخب السياسية أو التشكيلات المجتمعية الأخرى. وكلما كانت هذه الآليات محددة مسبقاً ومعروفة ومقبولة لأطراف التفاعل السياسي كلما كان هذا مؤشراً على ترسيخ مفهوم الدولة.

المؤشر الثالث: الثقافة السياسية والخطاب السياسي المرافق- وقد حدد سابقاً-  يشير هذا المؤشر إلى قضيتين أولهما، الخطاب السياسي للنخبة الحاكمة (الخطاب السياسي المهيمن) فكلما كان هذا الخطاب يصدر عن المؤسسات الرسمية وليس المؤسسات الموازية التي أسست في المرحلة الانتقالية، كلما كان هذا تحولاً نحو الدولة. كما أن علاقة هذا (الخطاب المهيمن) للسلطة الحاكمة مع بقية الخطابات للأحزاب والجماعات الحزبية والاجتماعية مؤشرٌ آخر على رسوخ مفهوم الدولة. ولذلك فكلما أديرت هذه العلاقة من خلال النظام السياسي المحدد والمرسوم مسبقاً ووفق الشرعية المتفق عليها كلما كان مدى رسوخ العلاقات السياسية أقوى في الدولة. وبذلك تدار عملية انتقال السلطة من جهة سياسية لأخرى وفق القواعد التي حددت مسبقاً.

إذاً تعد هذه المؤشرات معيار الانتقال للدولة، وفي هذه الأثناء تقع المرحلة الانتقالية على مستقيم الانتقال من الثورة إلى الدولة وتحمل في داخلها بعض سمات المرحلة الثورية كالراديكالية والعنف والتحالفات المؤقتة، وبعض سمات الدولة كالمؤسسية وواحدية الخطاب السياسي وبرامج للعمل السياسي والاقتصادي. وخلال هذه الفترة الانتقالية تتجاذب المجتمع كلٌ من السمات الثورية وسمات الدولة إلى ان تستطيع إحداهما السيطرة على الأخرى. وفي المجتمعات التي تعكس الثورة رغبة حقيقية في التغيير بإضافة لتوافر الظروف الخارجية الملائمة، فمن المرجح أنها ستنتقل بشكل تدريجي وسلس إلى حالة الدولة. وعلى العكس من ذلك فإن المجتمعات التي لا تحظى فيها الجماعة الثورية المنتصرة بقبول جماهيري وتتضافر ضدها العوامل الخارجية فمن المرجح ان تكون السمة الغالبة للمرحلة الانتقالية هي العنف بما يرشحها للارتداد مرة أخرى إلى حالة الثورة، حتى يستقر النظام من جديد على أسس مقبولة للشرعية .

مركز سوريا   للبحوث  والدراسات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *