ممدوح بيطار:
تترسب خبرات الطفولة في اللاشعور , وقد تبقى كامنة أو قد تتظاهر شعوريا وبالتالي مسلكيا , يقال على أن الشذوذ والاجرام الجنسي من قبل البالغين يعود في معظم الحالات الى تجارب هؤلاء في سن الطفولة , حيث تم الاعتداء عليهم جنسيا , وبالتالي تحولوا الى ممارسين لما مورس معهم , موضوع هذه السطور ليس أمر الشذوذ الجنسي ,وانما أمر آخر , فقد تفاخر أحد الأصدقاء بكونه حفظ المصحف وقد كان في ربيعه الرابع عشر , التحفيظ يبدأ في سن مبكرة جدا والمعتاد هو سن الرابعة من العمر .
لقد فكرت في أمر الطفل الذي عليه في حقبة تكوينه الشخصي الأولى والأهم حفظ 600 من الصفحات , وفي هذه الحقبة التكوينية كان عليه أن يلعب مع رفاقه , اذ أن اللعب في هذه الحقبة من الحياة ضرورة جسدية ونفسية , حفظ النصوص المصحفية عن ظهر قلب في هذه الفترة من الحياة يمثل ثقلا عقليا ونفسيا يصل الى درجة التعذيب النفسي , وما هي الفائدة من تحفيظ الطفل أشياء لايستطيع فهمها ,وبذلك تقديم الشكل على الفهم , وأين هي الفائدة من غرس مفاهيم التخويف والترغيب والترهيب في عقل طفل ,وبالتالي غرس مفاهيم الخضوع والخنوع للمستبد وترسيخ ثقافة الطغيان والغلبة في المجتمع,من نتائج ذلك تثبيت روح العنف وثقافة المعاملة بالمثل وانتاج العقل الارهابي بما فيه نشر الدين بالسيف لادخال الناس في الدين أفواجا , وما هي فائدة الطفل من دخول الناس الى دين الله أفواجا ؟؟وهل ينمي التحفيظ مقدرة الطفل على ممارسة النقد وخاصة النقد الذاتي , وما هي علاقة التحفيظ ببناء العقل ؟ هل يساهم التحفيظ في تنمية العقل أو في قتل العقل !, , فالعقل الذي يتمرن على الانصياع النقلي والترديد الآلي يتطبع به.
يخص التحقيظ نصوصا تعتبر مقدسة وعمرها عشرات القرون , نصوصا تعكس ماض بمنتهى السوء والتوحش , وما هي فائدة ادخال ثقافة السوء والتوحش في عقل الطقل , وهل يتمكن عقل الطفل من فهم وتحليل ماتم ادخاله في عقله ؟ وهل يستطيع الطقل رفض مضمون المادة , التي عليه حفظها في ذاكرته ؟, واذا تمكن الطقل من رفض المضمون , فهل يمكنه تبرير هذا الرفض وهل يمكنه ابتداع البدائل , التي يعتبرها صحيحة ؟
التحفيظ يعني التلقين والترديد الآلي لما حفظ , هنا يتم نحت مفاهيم ثابتة في عقل الطفل بالحرف والحركة ولجميع الأطفال في حلقة التحفيظ , مما يقود الى التجانس والغاء الاختلاف الخلاق , اي تشويه طبيعة الانسان اضافة الى ذلك , هذا اضافة الى كون التحقيظ مصنعا لصناعة القطعان البشرية ,
اقتران التحفيظ بالعقاب (البدني, والنفسي),يعني استخدام العنف للتخويف كوسيلة لارغام الطفل على السير في وجهة معينة , هذا الأمر يغرس في النفس مفاهيم الخضوع للمستبد القاسي والانصياع لطغيانه ,وتكريس ثقافة الاستبداد وترسيخ ثقافة الطغيان, من جهة أخرى فان ممارسة تخويف الآخر لإرغامه على الخضوع والانصياع ،تقوي روح العنف,وترسخ ثقافة الإرهاب, أي انتاج العقل الأرهابي , الذي يعتقد أن القوة والعنف والقتل طريق أقصر وأمثل لبلوغ الغايات، بما فيها نشر الدين او الوصول الى الجنة والتمتع بالغلمان وحور العين .
ليس من المهم اذا كان للتحفيظ أصل في الدين او لا أصل له في الدين , فمن أهم المشاكل التربوية والتدريسية في المدارس السورية هي مشكلة الحفظ والتحفيظ عن ظهر قلب , لقد تطورت أساليب التربية والتدريس باتجاه تنمية التحليل بدلا من التنقيل , لا أشجب التحفيظ لكونه عادة دينية سيئة ,انما لكونه مدمرا للعقل والنفس كأي تحفيظ آخر , وضرره على تكوين شخصية ناقدة دائم وعميق , ثم أنه لم تعد هناك أي حاجة للتحفيظ , حيث ان الثقافة والمعارف لم تعد “شفهية” كما كانت سابقا, والحفاظ عليها لم يعد من وظائف الذاكرة ,انما من وظائف الورق والطباعة والآن من وظائف الكومبيوتر.
يحتاج المجتمع الذي يهمه التقدم لعقول تتطلع الى الأمام وليس لرؤوس محشوة بثقافة ماض سيئ ومنحط , لايترك التحفيظ في عقل الطفل مساحة لشيئ آخر , عقله مكون من 600 صفحة , لايفهم سطرا واحدا منهم, صفحات خالية من التحليل والمنطق , ومكرسة للطاعة والانصياع , عبيد الله عبيد وكلائه على الأرض اي عبيد رجال الدين ومن يحكم باسم الدين , يتم تحفيظ نصوصا مكتوبة بلغة لم تعد منطوقة ولم تعد مكتوبة , لا اعرف جريدة مكتوبة بتلك اللغة ولا اعرف حديثا او حوارا بهذه اللغة , التي لاتقوم اللسان انما تتسبب في اعوجاجه , لغة غريبة !!! هل يستطيع المصطفى قراءة جريدة وفهم مضمونها ,وهل باستطاعة مثقف اليوم فهم كل مايتعرف عليه في النصوص ؟؟ لغة العزلة وبالتالي الموت الثقافي .
