ممدوح بيطار ,سيلفيا باكير :
يعود التأخر في بعض جوانبه الى التباس الممارسة العسكرية المتمثلة بالغزوات والاحتلالات مع موضوع التحضر والتقدم ,لقد كان من المعروف حتى في تلك الأزمنة , بأن ممارسة الحروب والاحتلال والفتوحات لبلاد وأرض الآخرين يتناسب طردا مع الحيونة والتوحش ,منطقيا يجب على من يصف هلاكو بالهمجية أن يستخدم نفس التوصيف بخصوص خالد ابن الوليد وغيره , لقد ابتكر فقهاء الدين المسيس والمعسكر العديد من الفتاوى لتبرير الحروب , من أهم الفتاوى كانت تلفيقة ” الفتوحات ” المفروضة والمبررة من قبل الله بقصد نشر الدين الجديد .
حقيقة لم تكن الغزوات الا احتلالات استعمارية بقصد جمع المال والنسوان والسبايا والعبيد , النتيجة كانت امتلاء بيوت مال الخلفاء على الأخص الأمويين بالمسروق والمغتصب عن طريق الجزية وغنائم الحرب واختطاف العذراوات , امتلأت قصور الغزاة بالجواري والغلمان والمخاصي من العبيد , ولم تكن الدعوة الى الدين الجديد الا تغطية لعملية سرقة الأرض ونهب الناس , وبذلك لم يختلف بدو العرب عن التتر والمغول والعثمانيين والغرب ..الخ الا بتدجيلة ”الفتح “, اضافة الى تدجيلة أخرى هي تدجيلة الدفاع عن الدين , فمن أجل الدفاع عن الدين الحنيف كان من الضروري احتلال اسبانيا و أجزاء من الهند حتى حدود الصين ثم سوريا ومصر وغيرهم أي مايعادل تقريبا ربع الكرة الأرضية , التاريخ لم يعرف تهديدا صينيا أو هنديا أو اسبانيا أو سوريا أو مصريا للجزيرة العربية, أي أرض الدين الجديد , لذلك فان أطروحة الدفاع عن الدين الحنيف كانت تلفيقة كغيرها من التلفيقات الضرورية لتبرير الفعلة الساقطة .
على أي حال, ظن بدو العرب بأن التحضر يتمثل بالاثراء عن طريق نهب الغير , ثم اختطاف السبايا وتجميع عنائم الحرب , الذي يقابله في هذا العصر التعفيش والفساد , اي الاعتماد على حق القوة كبديل عن قوة الحق , الى أن عاملهم الغير حسب مبدأ قوة الحق , فطردهم من اسبانيا ومن الهند وغيرهم من المناطق المفتوحة , قوة الحق قهرت حق القوة الفتوحية الاستعمارية والاستيطانية , الى أن عاد الغرب مؤخرا بحق القوة محتلا لبلدانهم ومستعمرا لهم وفارضا عليهم نظرته .
كان ذلك بمثابة صدمة لم يتمكن بدو العرب من التفاعل معها ايجابيا , ففي وجدانهم تجذر العنف والحرب والفتوحات المربحة ثم الكسب الغير مشروع , ألا أن هذه الجذور تيبست بفعل تآكل المقدرة العسكرية وتبخرها , فالمقدرة العسكرية لم تعد تقاس بالسيف , وانما تحتاج الى العلم والمعرفة, التي لم يمتلكوها ولم يخلقوها , ,لقد حاربوا العلم والمعرفة وتبنوا النقل والتشدد , ظنا منهم بأن التشدد في النقل يكفي , تجمد وتسمر المؤمنون واستقروا في مواقع متأخرة من التطور البشري , وبالنتيجة تأخروا عن الركب الحضاري العلمي والمعرفي وسقطوا في هاوية الضعف والانحلال المستمر حتى هذه اللحظة .
تجذر مفهوم التمتع بالكسب الغير مشروع في النفوس, وكان الأب الشرعي لظاهرة الفساد , التي تتميز بها هذه الشعوب الى الآن , لم يعد بالامكان سرقة ونهب الغير , لذا تحولوا الى سرقة ونهب جيرانهم وأبناء بلادهم , بدلا من الغزو الخارجي والتحارب مع الخارج جاء الغزو الداخلي والتحارب في الداخل , بشكل حروب أهلية وخلافات لم يكن لها من الأسباب الموضوعية الا الشغف في ممارسة العنف المتجذر في النفوس والادمان على التحارب ثم الاعتياش من ممارسات الفساد كالسلب والنهب , التي اعتادوا واعتمدوا عليها في تأمين الرزقة ظنا منهم الى الأبد , لذلك لم يهتموا بثقافة العمل والانتاج والعيش من عرق الجبين وتحولوا بالنتيجة الى شحادين .
نظن بأنه لولا الخلفية العقائدية التي تختزن العنف وممارسة التحارب ,لما انفجر العنف والتحارب داخليا بالشكل الذي نعرفه مؤخرا ,بعد أن أصبح خارجيا بحكم المستحيل ,اضافة الى ذلك هناك شرعنة مقدسة للسلب والنهب , الذي اعتبر حلالا زلالا للتنعم به كما جاء في النصوص , لم يدرك الناهبون الفروق الجوهرية بين توجه العنف الى الخارج مقارنة بتوجه العنف الى الداخل , فقد يأتي العنف الخارجي على من يمارسه ببعض المكاسب المادية ,بينما توجه العنف الى الداخل لم يجلب سوى الخراب والدمار والخسائر واندثار الأوطان .
بشكل عام يمكن القول بأن تجذر العنف في النفوس والميل العصابي القسري للتحارب ثم ضمور ثقافة العمل والانتاج اضافة الى شرعية غنائم الحرب , الذي تحول الى داخلي , كان من أهم أسباب تأخر شعوب الفتوحات والغزوات , كل ذلك الهاهم عن الانشغال بما هو خلاق ومفيد وشغلهم بما هو سيئ وهدام للأوطان , التكسب الغير مشروع عن طريق استغلال الآخرين ونهبم وسرقتهم رفع مستوى فساد الأخلاق عند الشعوب والجماعات الغازية , وأسس بشكل رئيسي للانهيار والاندثار الذي نراه ونلمسه في هذا العصر,
