عن هوية المستقبل السوري …..
يحارب العروبي المروج للهوية القومية العروبية الهويات الأخرى بشتى الوسائل ,منها وسيلة التنكر أو التجاهل أو وصف ثقافة الهويات الأخرى بالعمياء والكيان بالتلفيقي وبالتسويات بالاستعمارية , وعدم وجود هوية حقيقية,ثم اتهام المشاريع الأخرى كمشروع الهوية السورية والقومية السورية بالفشل , الذي هو فشلهم, لكونهم من هيمن على ادارة هذه الدولة بشكل رئيسي في القرن الماضي, بالرغم من كل ذلك لاتزال هناك دولة سورية معترف بها من كل دول العالم , وبالتالي هي الدولة الحقيقية, لأنها دولة الواقع في العرف الدولي ,وذلك بغض النظر عن حيثيات اقامتها وحيثيات تطورها المرتبك , فاقامتها كانت كاقامة عدة دول اوروبية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية , اقامة دولة سايكس -بيكو كان أحد نتائج هزيمة الخلافة العثمانية عسكريا , ولو لم تكن سوريا مستعمرة عثمانية , لما كان لها اي علاقة مع نتائج الحرب العالمية الأولى, المنتصر رسم خريطة المنطقة كما أراد , فسوريا سايكس هي واقع سياسي دولي, ان كان سيئا فالمسؤول عن سوئه كانت الخلافة العثمانية , وان كان جيدا فالمسؤول هنا هم الحلفاء,.
الخريطة لم تكن سيئة , لابل كانت كانت جيدة نسبيا , لأنها صنعت دولا قابلة للحياة نظريا, فمن نتائج الحرب العالمية الثانية كانت على سبيل المثال اقامة دولتين في المانيا , واعطاء أجزاء من المانيا الى فرنسا وبولونيا وغيرهم , بالرغم من ذلك ازدهرت الدول المهزومة مثل المانيا والياابان وتقدمت حتى على الدول المنتصرة, ولأن الخلافة العثمانية انهزمت عسكريا , كان على سوريا أن تهزم سياسيا , وان يحدد المنتصر على الخلافة شكل المستعمرات العثمانية جغرافيا وديموغرافيا , مهما كانت النتائج , يمثل تحرير البلاد من العثمانيين أول الأوليات, وتمثل اقامة دولة سورية لأول مرة في تاريخ القرون الأربع عشر الأخيرة تحقيق لجزء كبير من امنيات الشعب السوري .
بالرغم من محاربة الوجود السوري كدولة طوال مئة عام ,لم ينجح القوميون العرب والاخونج في قتل سوريا بشكل نهائي ,لم تمت سوريا المثقلة بالجروح والطعنات لحد الآن , بالرغم من اقترابها من حالة الاندثار , فللحرب على سوريا بفية تدميرها اسبابها وأهدافها, وجود دولة سورية قوية وحديثة ومتقدمة , ينفي الحاجة الى دولة الخلافة الأممية , وينفي الحاجة الى دولة عربية من المحيط الى الخليج الآن وعلى المدى القريب والمتوسط ,لايمكن التنبؤ بالتطورات على المدى البعيد , ففكرة الاتحاد الأوروبي لم تكن موجودة عام ١٩٤٥ .
بالرغم من كل ذلك صفق السوريون للوحدة المصرية -السورية بحرارة ,وذلك بعد أن نجح مريدوها , الى حين , بالترويج للأـمل بالسعادة والرخاء والقوة والمناعة من خلال الوحدة , وهم ذاتهم من صفق للانفصال عن مصر بعد أن انكشف الرياء الوحدوي ,االوحدة الاعتباطية كانت اسما مستعارا للاستعمار المصري لسوريا ,نتيجة لهذا التطور ماتت فكرة الوحدة العربية ولم يعد هناك من يفكر بالوحدة وبالتالي مات الوحدويون العروبيين , الحديث العروبي تحول الى ثرثرة عدمية ,الى حديث مجانين مصابون بلوثة عقلية .
ماتت الوحدة الغير مأسوف على موتها , ولم يترافق موتها مع صعود نجم هوية الخلافة الأممية , لقد مات الجاني قبل موت الضحية , هناك أمل في اعادة الحياة الى الضحية السورية , ولكن هل هناك أمل هنا في اقامة خلافة أممية , أو دولة عربية من المحيط الى الخليج ! ,السؤال الآن كيف من المتوقع أن تكون سوريا مستقبلا ؟
يجب الاعتراف أولا بواقع الانسان السوري , الذي تحول تحت اشراف الفكر القومي العربي المتنكص الى الأسدية , والفكر الديني المتنكص الى الاخونجية الى مستوطن (سمر يزبك) , الوطن تحول الى فندق و تواجد المواطن به أصبح عابرا ومرحليا , لقد حول الاخونج والقوميون العرب الوطن الى جيفة مقززة للنفس يهرب الناس منها , جيفة غير مسؤولة عن شيئ سوى عن ممارسة الحرب على الوطن واذلاله .
المشكلة بشكل رئيسي الآن هي في الشعب السوري , الذي تعربن وتأخونج في القرن الماضي , وكل من السوريين الآن أصبح أكثر ديكتاتورية وفسادا من الآخر, لقد غيرت العروبة الاخونجية خواص الانسان السوري , الذي تحول الى الاسوء تربية وثقافة وحرية وديموقراطية وأخلاقية ,لابد من تجنيس الانسان السوري بالجنسية السورية الوطنية من جديد ,لابد من خلق وعي وطني سوري ولا بد من سورية هذا الوعي , لاتصلح عروبة الوعي عند عدم وجود دولة تجسد هذا الوعي ,ولا تصلح اخونجية الوعي لنفس الأسباب.
بالرغم من ذلك لايخفى على أحد وجود تطور يتمثل بتكريس خاصة القطرية في كافة الدول العربية ,هناك ابتعاد ملحوظ عن العروبة والفكر القومي العربي الاخونجي , ولا عجب في ذلك بعد قرن الفشل والتفشيل , لقد فشل العروبيون-الاسلاميون على ذاتهم ولم يفشلهم أحد , وان كان لمفهوم المؤامرة وجود حقيقي , فهم من تآمروا على أنفسهم , وهم من أفشلوا أنفسهم , لقد كان لهم من الوقت أطول مما يحتاجون ومن الفرص أكثر من الضروري , الشعوب وثقت بهم ,وما كان للشعوب الا خيبة الأمل منهم .
مسك الختام كان التدمير شبه الكامل لمشاريع الدول , التي كان عليهم بنائها , التمزيق الكامل للبلدان التي كان عليهم توحيدها , الافقار الكامل للشعوب التي كان عليهم اطعامها , تحولت الشعوب الى قطعان تسول ولجوء وهروب , وحتى لو أنهم رحلوا هذا اليوم فستكون مهمات الترميم و التصليح لمن يخلفهم شبه مستحيلة الانجاز في سنة أو عشر سنوات وانما يحتاج اصلاح ما أفسدوه من قرن من الزمن الى قرنين من العمل الدؤوب, على فرض بأن الخلف سيكون قمة المهنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية , فمن اين لنا تلك القمة ؟؟؟
المستقبل سيكون في سوريا كغيرها من دول المعمورة في يد تنظيمات سياسية, بعضها قديم والبعض الآخر سيولد من جديد , لا أظن بأن البعث سيلعب اي دور مستقبلا , ليس فقط لكونه نظريا ممثلا للعقيدة القومية العربية الميتة , انما لشرشحته مسلكيا , ولفساده الأسطوري , لقد قضى البعث على البعث, وفتك به ومثل بجثمانه , فالبعث بقوميته العربية وممارساته المنحطة لم يعد قابلا للانعاش , أما منظومة الاخونج فسوف لن تجد موطئ قدم لها في سوريا المستقبل , تحتكر هذه المنظومة كل الأسباب التي لاتؤهلها لتلعب أي دور في مستقبل سوريا , اضافة الى كونها خارجيا مرفوضة رفضا نهائيا ,واسم الاخوان يتصدر قوائم المنظمات الارهابية , سيكون تقديرا وزن السوري القومي والشيوعي عاليا ,وستكون هناك احزابا جديدة لايمكن تقييمها فبل ولادتها …
Post Views: 865