لا أظن بوجود وسطية أو تطرف انما بوجود مواقف نسبية , يعتبرها البعض وسط أو تطرف , كما فعل المرحوم الشيخ القرضاوي وكما فعل بعض مشايخ دمشق , عندما اعلنوا عن انتمائهم لفريق الوسط , واذا كان القرضاوي وسطي , فكيف سيكون المتطرف ؟
لا أجد أي مضمون ولا دلالة لمعظم هذه الادعاءات والتوصيفيات والتصنيفات , فالأمر ليس أكثر من تمويه على باطنية دينية , ادعاء الانتماء الى ماتسمى الوسطية ليس سوى محاولة تمويهية , الوسطية كانت حالة لفظية لاعلاقة لها بالواقع , لاتصف الحالة اللفظية دينا معتدلا كرؤية فقهية , فالمحمدية هي الآيات والسنة , هي كما هي بتفسيرات فقهية مختلفة ومتباينة ومتعاكسة .
لاتصنف المواقف بوضعها على خط مستقيم , حيث يتوضع قطب شمالا ويتوضع قطب آخر جنوبا , وما بينهما وسط او وسطي , تتوضع المواقف على زوايا مجسمات الحياة , بعض هذه المجسمات ثلاثية وبعضها رباعية او خماسية أو سداسية الزوايا الخ , وفي كل زاوية يتوضع “موقف ” بمعالم وخواص وبنية تختلف عن المواقف الأخرى , يعود وصف موقف بأنه متطرف أو وسطي أو غير ذلك الى نظرة الآخر له , وليس الى ذاته المجردة , التصنيف يأتي من الخارج ولا ينبع من الداخل .
تعود الحاجة الى مواجهة موقف ما الى بنية هذا الموقف , وليس الى توصيفه بأنه وسطي أو غير ذلك , الا أن التوصيف يتحول احيانا الى هدف للمواجهة , خاصة عندما يتحول هذا التوصيف الى ممارسة للباطنية او التقية , أو التلفيق والمخاتلة , هناك من يصنف نفسه في مصنف الوسطية , لكي يتمكن من الانسجام الكاذب مع الخنوع , وسطي اي مقنع , وسطية اي سترة وتغطية , وسطية كتأشيرة دخول , وبعد الدخول يصبح لكل حادث حديث, وسطية لتسهيل التدجيل والتلون بلون آخر , التلفيق من أجل تحقيق العكس مما يعلن , يريد الشيخ القرضاوي الوسطي او ممثل الوسطية في هذا العصر أن يعيش الى جوار الآخرين وليس معهم , لذا لاتجوز حتى تهنئتهم بأعيادهم , هذه هي الوسطية القرضاوية أو الاسم المستعار للهمجية .
لم يلغ الوسطيون ايا مع معالم تفكيرهم الأصولي الاقصائي , ولم يتنازل هؤلاء عمليا عن الصيغ المسلكية الجهادية, بدلا من ذلك ابتكروا اسلوبا لتجنب المواجهة الى حد ما , فوق هذا الحد أو المستوى تتحول ما تسمى وسطية الى أصولية بيدها السيف والسكين , وحتى أنه من الخطر استفزاز الأزهر الوسطي الآخر الى جانب القرضاوي , تجاوز العتبة يعني انفلات التزمت والعنف والقطعية , لذا يمكن اعتبار الوسطية مستودعا للتراث الذي نصفه بالتعصب والعدوانية, لايختلف شأن القرضاوي عن شأن الأزهر وعن شأن علماء الشام , كلهم يختزنون في عقولهم وقلوبهم قنابل فكرية موقوتة تسمح باصدار الفتاوي لقتل فرج فودة واستباحة دمه والعديد غيره ,وكلهم يعتبرون من قتل فرج فودة وغيره من المشاكسين , مجاهدين في سبيل الله ,ومن أجل اعلاء كلمة الدين , يتعلق الاختلاف الوحيد “بالعتبة” علوها او انخفاضها ! , ولا يتعلق مع المبدأ .
لطالما تعلق الأمر بمستوى العتبة , لذلك يمكن اعتبار الوسطية الدينية الادعائية فقاسة لانجاب التشدد عند الحاجة , وفي هذه المقولة الكثير من المنطق , فالأصل في الفكر الديني هو الفكر الواحد ذو المصدر الواحد , الفكر الديني مقدس ومستعصي على الابطال أو التغيير او التطوير اذ لا وجود لامكانية ايقاف العمل بالنص التراثي , أكثر مايمكن فعله يتوضع في مجال الفقه والتفسيرات المختلفة , وفي استغلال التباين وحتى التناقض بين مفاهيم مكة وبين مفاهيم المدينة.
الوسطية متأزمة ولاديا , لكونها أصلا سجينة التعصب والتناقض , ليس فقط بين مكة والمدينة فحسب , انما سجن التناقضات الفقهية , التعامل مع المواقف الواضحة اسهل بدرجات من التعامل مع المواقف الضبابية المخاتلة المتسترة بالباطنية , ثم أنه لاجدوى من الأسماء المستعارة , فبالرغم من اسم الوسطية المستعار انكشف القرضاوي ووقف في آخر ايامه عاريا حتى من ورقة التوت
Post Views: 983