هويتي سورية …

ممدوح    بيطار   ,  ما   بيطار  :

المجموعة السابعة من كاريكاتير اليوم - اسلام تايمز الدولة    هي   دولة    سوريا, والهوية    هي    الهوية    السورية   العميقة   جدا    في    التاريخ , بالرغم   من    عدم    وجود    حاجة   أو   ضرورة    لالصاق    هوية  جديدة   بها , تم      لصق     العربية عليها   ,وتمت    محاولات   التعريب ,  وبالتالي  التأسيس لصراعات بين   الهوية السورية التي تبلغ من العمر على الأقل٧٠٠٠ سنة وبين الهوية   التي   جاءت   مع   الفتوحات   قبل   ١٤٠٠ سنة ,  أي   أن   الهوية   السورية    لاتزال   تعمل   من   أجل      تحرير   ذاتها   من    استعمار   لايزال   بتراثه جاثما    على    صدرها ,  خنقها  وأوصلها    الى   حافة   القبر .
 لاوجود لجوهر ثابت للمعالم التي ترتكز عليها الهوية الوطنية   لكل    الدول , في حين ان جوهر الهوية الوطنية بالنسبة لكل وطن ثابت , فهوية الانسان الوطنية    في   سوريا هي أمر لاعلاقة له بالولادة انما بالاكتساب  والخيار    الطوعي  ,   تبدأ   مثلا    قضية  الهوية   باكتساب   الجنسية , القوانين الوضعية في مختلف الدول تحدد بعض الشروط لاكتساب الجنسية     التي   تعتبر   مقدمة    لخيار   الهوية  , التي تمثل شكلا أكثر تعقيدا من الجنسية , فبعد الاقامة خمس سنوات في الدول الأوروبية   على   سبيل   المثال يكتسب  الانسان   الجنسية    الفرنسية   او    السويدية او   الألمانية , وحتى أنه لاكتساب الجنسية السورية شروط مماثلة , وعندما تصبح     الجنسية   سورية    أو   امريكية   أو   غير    ذلك ,    يتحول      الانسان  عندها الى   سوري   أو  أمريكي    الهوية  …هكذا بكل بساطة .
عندما لاتترافق الجنسية الجديدة مع هوية جديدة يحدث الخلل , وتتحول الجنسية الى “اذن” اقامة دائمة في البلاد أي مساكنة دائمة , وهذه المساكنة محفوفة بالعديد من المخاطر , وأكبر المخاطر يتمثل بممارسة المواطنة الشكلية  ,  انه     سوري شكليا  ولكنه    ينتمي  الى   هوية   أخرى,حتى   أنه     يعمل    من   أجل   هوية    أخرى ومن   أجل   وطنا   آخر  , هذا هو أمر العروبي أو   الاخونجي  حقيقة , هذه المواطنة الشكلية حولت الوطن السوري الى وطن شكلي قارب    الى   الاندثار    على   يد     استعمار   انتهى     مع   نهاية   الحرب   العالمية   الأولى,   ولكن   تراثه    القبلي    البدوي العشائري     لايزال    يعمل    على   قتل   الروح    السورية  ,  التي   اثبتت    سابقا  جدارة   عالية   في   التمكن   من     العيش     بحضارة    رفيعة المستوى      وابداعية    في   كل   مجالات   الحياة ,    اضافة  الى    ذلك  كانت     حضارة    سلمية   أي   حضارة    قلم  ومحراث   ,  لم    تكن    استعمارية  ولم   تكن   فتوحية     ,  ولم   يمارس   السوريون    قديما    ما   مارسه     البدو   خلال    ال   ١٤٠٠   سنة   الأخيرة .
عودة الى الهوية السورية والعربية وتناقضاتهم وتوافقاتهم , الأمر لايتعلق برفض أو تفبل الهوية العربية , وانما فقط بالمحاولات القسرية لفرض هذه الهوية العربية على ألآخرين , لقد تقبل الشعب السوري هذه الهوية طوعا لمدة طويلة جدا بعد   الحرب   العالمية  الأولى  , رحب بها وأعطاها العديد من الفرص وغفر لها أخطائها وتعاون معها , ليس من العجيب أن تخطئ العروبة ويخطئ العروبيون , ولكن من العجيب أن لايتعلموا من أخطائهم ,العروبيون   يريدون    العروبة   مهما  كانت    النتائج   , والنتائج     لحد   الآن   أكثر  من  كارثية    ,  لذا   لا  أعرف   سببا وجيها    للبقاء   معها   وبها ,واذا   كانت    العروبة   سياسة   فهي   مرفوضة   عندما   تفشل ,   لسنا   دواب   لكي   نقبل   ما   يضرنا  ,   الفخر   بالعروبة    لايطعم  خبزا   ,  أصلا      لايمكن    للانسان   الخلوق   أن   يفخر  ويعتز     بسرقة   الآخرين   واغتصابهم , والفتوحات    العروبية   لم   تكن    سوى     سرقة  ولصوصية    وغنائم   حرب   استمرت    بشكل   فساد   وتعفيش وعنف وارهاب  .
العروبة   اخترعت   المؤامرات   التي    ستنتصر    عليها   باذنه   تعالى   ,  اخترعت    الأعداء  وستنتصر   عليهم   بعونه   تعالى ,  كل   من   هو   ليس  عروبي       هو   مشروع   خيانة,  وسننتصر  العروبة  على المؤامرات وعلى الأعداء من العملاء …كيف ؟؟ومن هم هؤلاء الأعداء ؟؟؟وما هي الخطة التي ستضمن   هذه    الانتصارات  , وما هو تأثير الاعتباطية والتهور الذي قاد الى الفشل وقضى على الكثير من الآمال والأحلام ومن أهمها فكرة الوحدة العربية بالذات ,خبرات الماضي لم تتضمن الا الكوارث , وبالرغم من ذلك يصر العروبيون الاسلاميون على مواقفهم القديمة , والتي سوف لن تجلب الا الكوارث , فهل علينا الاستسلام لكوارثهم ؟ , أو انه من واجبنا احتراما للوطن مجابهة تكاثر الكوارث ؟.
لايبرر العوربيون   ضرورة العروبة بنجاحاتها , وانما بكونها صفة عرقية تمتد جذورها الى ماقبل التاريخ الاسلامي , عمليا لاقيمة لهذه التبريرات , لأن المهم هو نجاح التجربة بغض النظر عن جذورها العرقية والتاريخية ,لا     أرى   أنه   من   واجبنا  في هذه الحالة البرهنة عن ضعف وهزالة أمر الجذور والعروق التي تمثل جوهر وأساس اهتمامهم ,لا تمثل   الجذور  بالنسبة لنا الا هوامش لاقيمة لها ,  بالرغم   من   ذلك    لاضرر    من   التعرض    لهذه   النقطة ,  خاصة    للوضع    الديموغرافي   -الجغرافي
 في القرون الأربعة عشر الأخيرة ,العودة الى التاريخ تفيد بأنه كان لسوريا خاصية مؤكدة عند   بداية    الفتوحات , هناك من لم يصنف العرب ضمن الشعوب السورية آنذاك , لأن العرب لم يكونوا قد استقروا في سوريا ,فقبل    تلك    القرون    الأربع   عشر كان سكان سوريا يتألفون بشكل رئيسي من الفينيقيين (فرع من الكنعانيين ) على الساحل السوري ومن الأموريين في الوسط والجنوب ثم الميتانيون في الشمال , لا شك بتواجد بعض البدو العرب في سوريا حتى قبل الاسلام , الذين استقروا في البادية, وفي المواسم كانوا يقيموا    خيمهم   على ضواحي بعض المدن بقصد البيع والشراء , أقوى حضور للعرب “الغساسنة ” كان في مناطق بصرى .
لما أصبحت سوريا جزءا من الخلافة  , تغلغل العرب   البدو   في الداخل السوري , وبالرغم من ذلك كانت نسبهم قليلة , بعد غزوات السلاجقة في القرن الحادي عشر وغزوات العثمانيين في القرن الخامس عشر تم توطين بعض التركمان لأغراض عسكرية في سوريا , وفي القرن التاسع عشر خلال الحرب الروسية العثمانية تم توطين بعض شركس القوقاز في المناطق الكردية للمساعدة في مجابهة الانتفاضات الكردية البدوية , وفي القرن العشرين تم توطين من هرب من الأرمن في سوريا .
أول من أنتج سوريا بحدودها الحالية كان سايكس-بيكو , اذ تم تأسيس الاتحاد السوري سنة 1922 والدولة السورية 1925 الى يوم الجلاء 1946 ,من الملاحظ بأن الدولة المستقلة عام 1946 كانت تحت اسم الجمهورية السورية ولم تسم الجمهورية العربية السورية , ادراكا من النخب الحاكمة بأن سوريا ليست ملكا للعرب فقط وانما هي ملك لعدد كبير جدا من الفئات والشعوب التي وجدت قبل الاسلام وازداد عددها بعد الاسلام , اقحام لفظة “العربية” حدث في فترة الاختطاف العربي , حيث تم سلخ سوريا من مكوناتها الأخرى قبل وبعد الاسلام وتطويبها باسم المكون العربي والمستعرب , لقد أصبح من المفروض على الكردي والتركماني والفينيقي الخ أن يحمل بطاقة مكتوب عليها اسم المدعو بأنه عربي سوري أي عربي رغما عن أنفه , وفي الهوية كتب قبل ذلك مفردة “سوري ” فقط , لقد كان الوئام والتفاهم بين السوريين من مختلف الأصول تحت اسم “سوريا” أفضل بكثير من التفاهم الذي تآكل بشدة تحت اسم الجمهورية العربية السورية .
من لاتاريخ له ليس له حاضرا أو مستقبلا, لاوجود في تاريخ هذه البلاد الا قاسما مشتركا واحدا هو ” السورية ” لمن عاش في هذه البلاد منذ أقدم العصور ولحد هذا اليوم , لاعلاقة للانتماء السوري بأي طارئ تاريخي كالوجود العربي    البدوي الذي بلغ من العمر 1400 سنة , فقبل هذه المرحلة كانت هناك حالات طارئة عديدة منها الرومانية والبيزنطية والفارسية والفينيقية والآشورية والكثير غيرهم , لاعلاقة  للهوية  السورية بالعرق أو الجنس أو الدين أو العشيرة , وانما فقط في هذا العصر بالجنسية التي تمثل قانونيا نوع الانتماء للمجتمع الذي يشكل الدولة ,  والتي    تتطور   الى   هوية   خيارية  , لاوجود في المجتمع لمن هو أصيل ومن هو دخيل , فكلنا دخلاء أو كلنا أصلاء …لافرق !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *