ممدوح بيطار :
تتواجد شعوب هذا المشرق في حالة تطور تراجعي , ولهذا التطور التراجعي عدة أسباب , وسأقتصر هنا على المدرسة وخاصة على المدرسة الموازية , التي يحتل الجهل المطلق مقاعدها ,مقارنة مع المدرسة الرسمية التي تدرس مادة الجهل والخرافة ايضا , ولكن بنسبة أقل من المدرسة الموازية , التي تكرس الجهل المطلق وتغتال العقل وتنشر الخرافة , شيخ المدرسة الموازية يشرح للسامعات والسامعين كيف أستطاع أمير المؤمنين تدوير الشمس والأرض باصبعه , وشيخ أخر يؤكد تسطح الأرض ,الى ماهناك من خرافات من على المنابر التي يعتليها المشايخ .
كيف يمكن التوفيق بين رساالة المدرسة العلمية الأخلاقية والتربوية , وبين مايبشر به من على منابر المدارس الموازية ,مثل مدارس التحفيظ ثم منابر دور العبادة من خرافات , مثل اياك أن تأكل اللحم الذي لمسته يد كتابي كافر ,اياك أن تهنئ الذمي بأعياده ,اياك أن تترحم على وفاة انسان من ينتمي الى آخر , قائمة التجهيل التربوي التوحشي أكبر من ذلك بكثير , وما ذكرته ليس الا بعض الأمثلة البسيطة .
لايمر مايقال ويوعظ به من على منابر دور العبادة على عقول الناس مرور الكرام , مايبشر به مهم جدا , انه ليس ثرثرة تافهة , انما لما يقال من على هذه المنابر تأثيرا كبيرا على عقول الناس , وأكاد أجزم بأن تأثير منابر دور العبادة على العقول أعظم من تأثير المدارس الرسمية بدرجات ,منابر دور العبادة تحارب مقاعد التدريس في المدرسة الرسمية , هل هيمنة علم منابر دور العبادة على التعليم والتربية وممارسة هذه المنابر للتلقين من مصلحة الحياة ومن مصلحة الوطن؟
يبدو واضحا أن مشايخ المنابر لايكرسون منهج الاقناع في طرح القضايا العلمية والتربيوية والتثقيفية , انهم يكرسون منهجية التلقين والتخويف من غضب الله , فالارهابي ليس فقط من يحمل البندقية ويطلق النار على الناس متمنيا أن يطلق عليه آخر النار لكي يرتقي الى مرتبة شهيد , هذا الارهاب محدود بكارثيته وتأثيراته التي قد تتجاوز الضحية بعض الشيئ , بعكس ارهاب المنابر الذي يرهب شريحة أكبر بكثير من شريحة ارهاب البندقية أو السكين أو الساطور , هدر حقوق الانسان بتأليبه على الآخر وتأليب الآخر عليه , أهم بدرجات من هدر حياة فرد , يتفوق ترهيب المنبر على ترهيب البندقية والسكين والساطور, وما نراه ونلمسه يؤكد وقوع الكارثة , ويؤكد حقيقة كون المنابر أشد خطرا من البنادق …أصلا لاتعمل البنادق دون موافقة المنابر وتكريس المنابر للرصاص وللقتل والعنف .
حماية المواطن خاصة عقله من اساسيات مهمات الدولة , ليس فقط حماية رزقه وملكه ! , وانما حماية أعز مايملك وهو عقله , يؤسسون المدارس الرسمية , التي عليها رفع مستوى الانسان الفكري والمعرفي والتربوي , بالمقابل يسمحون بعمل مدارس موازية تقزم العقل وتتلف المعرفة والتربية …مدارس تقول للطالب ان الأرض كروية , ومدارس تقول له انها مسطحة , وهل من عجب أن تاه الطالب وضاع بين الغيب والواقع ! بين انفلات المنابر وانتظام مقاعد المدرسة , بين الجهل والمعرفة بين الانسداد والانفتاح.
ماهو انطباع أي عاقل عند سماع مايقال من على المنابر ؟, هنا أتذكر على الفور ماكتبه على الوردي عن العقل الذي تحول الى مهزلة , وكيف تتقدم شعوب تحول عقلها الى مهزلة ؟ عقل محتل من قبل نمطية , اتخذت من الجمود عقيدتها, عقل اختزال فهم وتدبير كل شيئ بأية أو حديث , عقل لاغي للتحليل ومنفلت من أحكام الموضوعية , الفهم والادراك سجين التأطير وسجين الفهم الواحد واللون الواحد , سجين عصاب الادمان على التجانس القاتل للابداع والغير قابل للتحقيق سوى شكليا وبوسيلة القسر .
Post Views: 742
