سمير صادق:
لتطور حالة الصراع في سوريا الى الشكل الذي عايشناه في العقد الأخيرعدة اسباب تتعلق بالأسدية وبالاسلاموية بشيئ من التفاوت , لاشك بأن الأسدية ارادتها عنفا منذ اللحظة الأولى, ومن منا لايتذكر خطاب الرئيس وتصريحات بثينة شعبان ! , وحتى بدون تصريحات شعبان وبدون خطاب الرئيس, لايستطيع النظام تقديم ما لايملك , والنظام لايملك سوى العنف والقسر , اراد تقليد علاجات ١٩٨٢ ولم ينجح , فعلمية الابادة بالعنف استغرقت عام ١٩٨٢ شهرا, وعملية الثورة عام ٢٠١١ استمرت أشهر , وما بعد تلك الأشهر لايمت للثورة او لأي ثورة بصلة , لقد كان عنف عدمي بين فئات مدمنة على العنف ومؤمنة به,بالنسبة لجميع الأطراف المقاتلة والمتقاتلة كان الأمر جهادا .
اربكت ثورة الأشهر القليلة النظام , وكشفت عوراته وكادت تقضي عليه بتفوقها الأخلاقي , الى أن أتى الاخونجية , الذين شوهوا العمل السياسي اولا (مجلس وطني معظم اعضائه اخونجية ), وقضوا على العمل الثوري الواعد بالنجاح ثانيا , خوفهم من ثورة آذار كان أشد من خوفهم من الأسدية .
بعد القضاء على الثورة الواعدة وجناحها العسكري المبدئي المؤلف من المنشقين ,تحولوا الى الأسد بالوسائل التي يملكوها والتي تقتصر على ممارسة العنف , وهكذا التقى الندان وتوافقوا على القاسم المشترك الذي هو العنف, الذي مارسوه بمنتهى البراعة والفاعلية التدميرية للبلاد , لم تكن الضدية الأسدية -الاخونجية من أجل الحرية والديموقراطية ,انما من أجل الهيمنة على الآخر وعلى البلاد,انه “تنافس” بالدرجة الأولى على الكرسي , لا علاقة لكل ماحدث من تحارب في السنين الأخيرة بموضوع الحرية والديموقراطية,نعرف كل ذلك عن الأسدية , ونعرف ذلك عن الاخونج , هناك تشابه مذهل بينهم وبين الأسدية , حتى أنه يمكن القول على أنهم اشد بربرية من الأسدية.
تعلق جنوح الأسدية للعنف بعاملين , الأول كان عدم امتلاكها لغير العنف من سبل ممارسة الصراع السياسي , ثانيهما أمر حسابي وموضوعي , الأسد يصارع بسلاح لايملكه غيره , هناك الجيش والأسلحة وموضوع انتصاره عسكريا على بعض” المشاغبين” كان حسب ماقالته بثينة شعبان أمرا مؤكدا وحتميا , لذلك الى البندقية والمدفع ,وهذا ماحصل .
ماهي أسباب جنوح الاخونج , الذين فتكوا بالثورة ومارسوها حربا طائفية بثوب ثوري الى العنف , هناك أيضا عدة عوامل , الأول اقتصار مقدرة هؤلاء على ممارسة العنف, ولهم خبرة طويلة في هذه الممارسة , وهناك من دعمهم بخصوص هذه الممارسة , العامل الثاني كان عاملا داخليا دفعهم بشدة الى العنف , فالعنف ضروري للاقتصاص من اعدائهم في العقيدة كفرق دينية مسيسة , الآن جاء دور انتقام الغلبة الغالبة , ثم هناك عامل ثالث دفعهم الى العنف , وهذا العامل كان يقينهم بأن الموت في سبيل الله عملية مربحة , ومن هو ذلك الغبي الذي يفضل الشقاء على هذه الأرض على نعيم وحوريات السماء , الموت في الجهاد نعمة من نعم الخالق .
أما عن النعوات ومقدرتها على تصوير الموقف الأخلاقي للناس , فقد كتب المرحوم ميشيل كيلو قبل سنوات مقالا عن دلالات النعوات السورية ,حلل بواسطة صيغ النعوات المجتمع المنقسم على نفسه والمرتد الى البدائية , والذي تهيمن به فئة على أخرى , معالم هذه الحالة المتطورة كانت واضحة وضوح الشمس, سابقا كانت النعوة عادة تبدأ بمفردة “ننعي”, بعكس نعوات الفترة الأخيرة , التي تبدأ بعبارة “نزف اليكم ” وتنتهي بعبارة “تقبل التبريكات “ بدلا من عبارة “تقبل التعازي “, للتبريك يتوافد الشعب المهنئ بمقتل الشاب( الشهيد في سبيل الله) الى منزله مهنئا امه وزوجته واولاده بانتقاله الى جوار ربه في جنان السماء , وفي هذا الجوالتوحشي تبدأ المزاودات والعنتريات ويرتفع مستوى الشغف بالموت, الذي يحظى في هذه المناسبات على الكثير من التبجيل والتشويق والتشغيف في اطار تراجيدي تهريجي فولوكلوري ..زغاريد وأناشيد وخواريف مذبوحة وتبريكات وبربكات وضحك لامثيل له على الذقون ,ماعلى من يشك بمقدرة العنف على نصرة الموت على الحياة سوى تعداد النعوات!.
