ممدوح بيطار , نيسرين عبود :
كانت البلاد العربية مستعمرة عثمانية , وكان هناك تقبل من قبل الأصولية الاخونجية للوضع العثماني , لأن الخلافة العثمانية حسب رأيهم لم تكن احتلالا انما امتداد للخلافة العباسية والأموية , لم يتجرأ العرب على المجاهرة بفكرهم القومي الا بعد الاستفزاز الذي مارسته حركة الاتحاد والترقي , التي عزلت عمليا الخليفة العثماني وباشرت بتتريك المستعمرات , مما قاد, خاصة بعد أن أصيبت الخلافة بالوهن , البعض خاصة من ذوي الأصل اللبناني لممارسة التفكير المعاكس والمعارض(نجيب عازوري وبعده أنطون سعادة ) لاعتبار الخلافة استمرارا وليس احتلالا.
نشوء الفكر القومي العربي لم يكن نتيجة لصراع مع الفكر الديني , كما كان الحال في أوروبا ,انما نتيجة للصراع مع العثمانيين , في أوروبا انتصر الفكر العلماني , وبالنتيجة تشكلت سلطات قومية علمانية ديموقراطية , عكس ذلك حدث في الشرق , فالسلطات التي حكمت البلدان العربية خاصة في الشام بعد سايكس بيكو كانت قومية وبعد عام ١٩٢٨ ارتشحت هذه السلطات القومية بالفكر الاخونجي السياسي, ثم قيل أن العروبة اسلام والاسلام عروبة , هذه السلطات القومية – الاخونجية لم تكن علمانية ولم تكن ديموقراطية, في أوروبا تم الفصل بين الدين والدولة , وهنا تم دمج الدين بالدولة , وهل من الغريب فشل الديكتاتوريات ونجاح الديموقراطيات ؟؟
لم يكن من الممكن أن تصل الأوضاع العربية الى حالة البؤس التي نلمسها ونراها , لو لم يرتكب الفكر القومي العربي – الاخونجي أخطاء قاتلة , لم يرتكبها الفكر القومي الأوروبي , الذي كان ثورة بمنتهى الايجابية والابداع , خاصة في مجال الحريات , حرية المواطن وحرية الوطن وتحرير الدين من الخرافة وتحرير المرأة والتحرر من الجهل , أما الذي حصل في هذه المنطقة فقد كان نوعا من العصاب القسري الطائش , لقد ركز الفكر القومي العربي كل اهتماماته على موضوع تجاوز التبعية للغرب والتحرر من الاستعمار الغربي , هنا لايمكن لوم هذا الفكر على ممارسة السعي الحثيث للتخلص من الاستعمار الخارجي , الا أنه في هذا الخصوص بقي ولعقود عديدة يراوح في مكانه , ذهب الاستعمار مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , وانتهت الاشكالية , الا أن الجهاد ضد الاستعمار بقي وكأن الاستعمار لايزال موجودا , استفاد الفكر القومي العربي من المراوحة في المكان , لتمكنه من توظيف هذه المراوحة في تكريس بقائه , أو بالأحرى بقاء العسكراتاريا التي تبنته.
ترافق العمل من أجل التحرر من استبداد مستعمر لم يعد له وجود , مع العمل الحثيث لتكريس مستعمر استبدادي داخلي, بكلمة أخرى ترافق السعي الوهمي لتحرير الوطن مع صناعة الديكتاتوريات , التي استعبدت المواطن وسلبته حريته , بكلمة أخرى تحرر الوطن واستعبد المواطن !!! , لم تفهم الديكتاتوريات القومية العربية – الاخونجية أن تحرير الوطن لايتم الا عن طريق تحرير المواطن , وبأنه لايمكن جمع ضدية تحرير الوطن مع استعباد المواطن , وعلى هذا المنوال كانت هناك محاولة تحرير الوطن من الفقر بافقار المواطن , ومن الجهل بتجهيل المواطن وتخريب مؤسسات التعليم وانشاء مركز تحفيظ القرآن , تنمية المجتمع المدني عن طريق الدولة الأمنية التي قتلت المجتمع المدني , مكافحة الأصولية عن طريق خلق الظروف التي تمكنها من النمو والتعاظم , الذي فاجأ العديد من المواطنين بعد انفجارات الربيع العربي ,كل ماذكر من أخطاء , ولو اتسع المجال لذكرنا أكثر منها , لم يجد ممارسة في ظل القوميات الأوروبية , لقد كان هناك العكس مما ذكر , لذك كان هناك النجاح وهنا العكس منه أي الفشل .
نشا الفكر القومي الأوروبي في دول مستقلة , بينما لم تكن الدول العربية التي نشأ بها الفكر القومي العربي مستقلة , والتحديات الخارجية التي تعرضت لها الدول العربية تختلف جذريا عن التحديات التي تعرضت لها الدول الغربية , التي امتلكت الاستقلالية وامكانية اتخاذ القرار, هناك ولد التنوير وتمكن من التأثير على الأوروبيين , الذين تواجدوا في مجتمعات علمية صناعية علمانية ,لم يكن للتنوير المنقول من أوروبا الى الشرق ذلك التأثير الكبير , ومفاهيم التنوير لم تجد في الشرق العشائري المتخلف ثقافيا تفاعلا ايجابيا كافيا , اضافة الى ذلك مناصبة العداء للغرب ورفض الغرب تحاشيا للتلوث ,الذي لازال قائما والمؤسس على عدة عوامل منها كفر الغرب ومنها الحسد الذي يتحول عادة الى حقد ورفض , ثم اشكاليات أخرى تتعلق بمهمات الدين وعلاقة الدين بالسياسة التي انعدمت في الغرب وراجت في الشرق خاصة بعد ولادة الاخوان عام ١٩٢٨ , هناك أمور تتعلق بحقوق المرأة وحقوق الانسان التي طورها الغرب الى الأمام بينما طورها الشرق الى الوراء , لم تختلف مسببات الرفض والعداء للغرب قبل قرن من الزمن عنها في هذا العصر ولم يتغير في هذا الخصوص أي شيئ .
لايتعلق نجاح مفهوم ما فقط بجودته المجردة ,انما بشكل تطبيقاته , وشكل التطبيقات يتعلق بالجهة التي عليها التطبيق , تطبيقات الفكر القومي الأوروبي كانت بيد شعوب أكثر تطورا من شعوب المشرق , اضافة الى ذلك كان الفكر القومي الأوروبي فكرا شعبيا بينما كان في المشرق فكرا نخبويا , وفي أوروبا لم تكن هناك أي امكانية للتشويش من قبل المفاهيم الدينية , بينما كان التشويش في الشرق ولحد الآن بأقصى قوته .
لايمكن القول بأن وفاة الفكر القومي العربي كانت مبكرة , فلكل فكر دورا يلعبه , ثم يأتي فكرا آخر ليحل محله , هذه الآلية ليست متجذرة في جو المقدسات العربي , المقدسات لاتحب الجديد من الأوضاع وحتى الجديد من الأشخاص , الصورة التي قدمها ويقدمها الزعماء العرب معبرة جدا عن الوضع الفكري والمسلكي العربي , فلطالمالا كان الزعيم على قيد الحياة لالزوم لزعيم جديد , وحتى الموت السريري للرئيس مثل بو تفليقة لايعفيه من مهمات خدمة الوطن الحبيب , بعض الزعماء لايزالون يمارسون مهماتهم في خدمة الوطن العزيز حتى من قبورهم .
