من    أفرز  البؤس  والتعاسة ؟

ممدوح   بيطار  ,ما   بيطار :

هل من الممكن   أن تصل الأوضاع  في هذه البلاد الىى  ذلك البؤس وانعدام  الأفق  والخراب , دون  ارتكاب   أخطاء قاتلة من قبل  المنظومات  المسيطرة على  القرار  ومن   قبل   الشعب   ايضا ؟ ,  ومن هي تلك المنظومات  التي سيطرت على القرار وبالتالي  ارتكبت تلك الأخطاء القاتلة ؟ وهل   الادعاء بأن  هذه المنظومات تقتصر على  منظومة  الفكر    العروبي   من جهة  ومن جهة أخرى منظومة الاخوان  السياسي خاطئ ؟ , وكلاهما ولد  بالشكل  “العصري” الذي نعرفه  بعد الحرب العالمية الأولى  .

لاوجود لمنظومة ثالثة   مؤثرة الى جانب  المنظومة     العروبية والمنظومة الاخوانية  , لذلك يجب  تحميل  هذه   المنظومات  المسؤولية عما حدث ويحدث لحد الآن ,  تقييم  منهجية سياسية  ان كانت قومية  أو  تيولوجية  أو   أخرى  يخضع الى   أحكام النتائج,   فالتجربة تنتج  السيئ والجيد  , ولما كان  السيئ  بنا  ومن حولنا ومن تحتنا وفوقنا  , لذلك  لامناص  من  التنكر   لتلك المنظومات   المهترئة  ,التي     ترغم    الشعب  الآن على  دفع   أثمان باهظة  لأخطاء  ارتكبوها ,سيان ان كان جهلا    أو  عمدا ,   ذلك   لايغير من  طبيعة  التقييم    السلبي   .

لم يكن   لهذه المنظومات   أي تأثير يذكر  على   أول    النتائج  التي   تمخضت  عن الحرب العالمية الأولى ,   بريطانيا   هي التي طردت العثمانيين , وهي  بالشراكة مع  فرنسا  من  قسم ووحد ورسم الحدود ,من  أعطى  وأخذ  والعرب   تحت مظلة  الشريف حسين  نيام ,  لقد  تأسست على الأقل خمس دولا عربية  ,  هنا كانت   أول  محاولات   الانتحال   والاحتيال من قبل  المنظومات   المهيمنة  على  وجدان الناس    , اذ  اعلن   العروبيون   والأصوليون   نجاحهم   في   احراز استقلال    الدول من الاحتلال العثماني  , وبالتالي   استحقاقهم   لقطف    ثمرات جهودهم وجهادهم    ,   الذي    لم يكن جهدا ذاتيا بقدر كونه  اتكالا  على   الغير .

تمثل  الخطأ الأول  باستهلاك  قضية التحرر من  الأجنبي   على مدى   عقود,  دون الانتباه  الى قضية   حرية  وتحرير    الشعوب   , لقد تحررت  الدول   أو بالأحرى تم السماح   باقامة   الدول   أو  أقيمت    الدول  ,   هنا  ميزت المنظومة القومية  والمنظومة   التيولوجية  بين مفهوم حرية  الوطن التي   حققها  الغير لهم , وبين   مفهوم حرية المواطن , التي كان عليهم تحقيقها , والتي    لم   يحققوها   , التاريخ يقول أنه   لافصل بين حرية الوطن وحرية المواطن  , ولا يمكن  الادعاء  بأن الوطن حر  عندما  يكون   المواطن عبد .

بكلمة   أخرى    أهملت  التنظيات   أمر   الداخل  والبناء   الداخلي , واستمرت  باجترار  موضوع الاستقلال , وتوظيف  هذا الموضوع  في خدمة الكراسي  ,  وعندما شعرت المنظومات  بتململ الناس  طورت نفسها  باتجاه  يضمن لها البقاء  , الفكر   العسكريتاري  ..الشمولية    ..الدولة  الأمنية   , الغاء   المدنية  , طوارئ الخ  مثلوا   الدواء  لداء التململ , وهكذا سارت الأمور  الى يومنا هذا , تارة  تتقاتل  المنظومة  القومية العسكريتارية  مع  المنظومة التيولوجية   , تارة  أخرى   يتفقون على تقاسم  الغنيمة  , لقد   ثبت   أنه لاخير بهم  ومنهم  ان  اتفقوا    او  تخاصموا   أو تقاتلوا  ,  أكلوا  الوطن  وتآكل الوطن   الى درجة الاندثار  التي نراها  اليوم .

اجترار  موضوع الاستقلال  واستهلاك مادة  الاستقلال  واهمال  الوضع الداخلي  لم يكن  كل  شيئ ,  الى جانب  اهمال  الوضع الداخلي  , كان هناك  اهمالا  آخر , تسلح  الفكر القومي  والفكر الأصولي  بسلاح  العداء   للغرب  ورفض   التراث العقلاني  التنويري  لعصر النهضة  , المهم كان  تكفير الغرب  بأي شكل والابتعاد عن  الغرب   بأي ثمن  , والقيادة   كانت  هنا    للمنظومة   الاخوانية   , التي   شعرت  بمخاطر الحضارة الغربية عليها  , الحضارة الغربية  فتحت باب النقاش  امام موضوع المرأة  وموضوع  الحريات   والدساتير  والزواج والطلاق  والديموقراطية  والعلمانية  ..الخ  , مما  أصاب   الأصولية   الاخوانية   بالذعر  والارتباك ,   هنا   ارتفعت   شعارات   الثوابت   وعدم    التلوث  والخصوصية  العربية …الخ   ,  لذا   الى    القطيعة , من    المقاطعة    للغرب   تم   استثناء     المواد    الاستهلاكية كالسيارات   الفارهة  ومنشطات الفحولة والساعات    الذهبية   وغير ذلك  , بالمقابل  لاترحيب ولا   تلوث   بأفكار   استقلالية  المرأة ومساواتها    ولا   ترحيب   بالعلمانية والديموقراطية  ,   افكار   الغرب     شيطانية    يجب   الابتعاد   عنه  , ولا مانع من  الاقتراب  منهم    استهلاكيا  ,السيارة    أهم من الفكرة !.

   لقد   كانت هناك  مناعة  نسبية ضد التنوير  وضد الفكر الحر , الذي لايستقيم مع  المقدسات   والثوابت   ,  التي  انجبت  ظواهر التطرف والإرهاب والانسداد  والتأخر  , لم يكن عند    المؤمنين   الاخوان  خطة تستطيع    التعامل   مع  متطلبات  العصر ,شددوا على استنساخ الماضي  تهربا  من  اعباء  صناعة المستقبل  والحاضر , العداء للفكر الحر  الذي  كان الغرب  منبعا له  منع   بلورة  مشروع نهضوي  مستقبلي , لم تكن هناك  خطة  باستثناء   خطة   اجترار الماضي التعيس .

 من   لايملك خطة     يصبح جزءا  من خطط الآخرين  , وخطط الآخرين  مرفوضه بطبيعة الحال  , لذلك    سيطرت   العفوية   والغوغائية  والارتجالية   والضياع    على  حال البلاد  , وفي سياق  محاولة  اجترار  الماضي ,   الذي هو بطبيعة الحال تيولوجي, تطورت  الطائفية  والفئوية  والمناطقية   والتجزيئية  التي    كرسها   الفقه   والشريعة    ,  التي  ارادت الحلول مكان  القوانين    الوضعية , تلك كانت  أوضاع لم   تفرز   سوى    التردي  الذي نلمسه  ونراه  هذا   الوقت   . 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *