هل من الممكن أن تصل الأوضاع في هذه البلاد الىى ذلك البؤس وانعدام الأفق والخراب , دون ارتكاب أخطاء قاتلة من قبل المنظومات المسيطرة على القرار ومن قبل الشعب ايضا ؟ , ومن هي تلك المنظومات التي سيطرت على القرار وبالتالي ارتكبت تلك الأخطاء القاتلة ؟ وهل الادعاء بأن هذه المنظومات تقتصر على منظومة الفكر العروبي من جهة ومن جهة أخرى منظومة الاخوان السياسي خاطئ ؟ , وكلاهما ولد بالشكل “العصري” الذي نعرفه بعد الحرب العالمية الأولى .
لاوجود لمنظومة ثالثة مؤثرة الى جانب المنظومة العروبية والمنظومة الاخوانية , لذلك يجب تحميل هذه المنظومات المسؤولية عما حدث ويحدث لحد الآن , تقييم منهجية سياسية ان كانت قومية أو تيولوجية أو أخرى يخضع الى أحكام النتائج, فالتجربة تنتج السيئ والجيد , ولما كان السيئ بنا ومن حولنا ومن تحتنا وفوقنا , لذلك لامناص من التنكر لتلك المنظومات المهترئة ,التي ترغم الشعب الآن على دفع أثمان باهظة لأخطاء ارتكبوها ,سيان ان كان جهلا أو عمدا , ذلك لايغير من طبيعة التقييم السلبي .
لم يكن لهذه المنظومات أي تأثير يذكر على أول النتائج التي تمخضت عن الحرب العالمية الأولى , بريطانيا هي التي طردت العثمانيين , وهي بالشراكة مع فرنسا من قسم ووحد ورسم الحدود ,من أعطى وأخذ والعرب تحت مظلة الشريف حسين نيام , لقد تأسست على الأقل خمس دولا عربية , هنا كانت أول محاولات الانتحال والاحتيال من قبل المنظومات المهيمنة على وجدان الناس , اذ اعلن العروبيون والأصوليون نجاحهم في احراز استقلال الدول من الاحتلال العثماني , وبالتالي استحقاقهم لقطف ثمرات جهودهم وجهادهم , الذي لم يكن جهدا ذاتيا بقدر كونه اتكالا على الغير .
تمثل الخطأ الأول باستهلاك قضية التحرر من الأجنبي على مدى عقود, دون الانتباه الى قضية حرية وتحرير الشعوب , لقد تحررت الدول أو بالأحرى تم السماح باقامة الدول أو أقيمت الدول , هنا ميزت المنظومة القومية والمنظومة التيولوجية بين مفهوم حرية الوطن التي حققها الغير لهم , وبين مفهوم حرية المواطن , التي كان عليهم تحقيقها , والتي لم يحققوها , التاريخ يقول أنه لافصل بين حرية الوطن وحرية المواطن , ولا يمكن الادعاء بأن الوطن حر عندما يكون المواطن عبد .
بكلمة أخرى أهملت التنظيات أمر الداخل والبناء الداخلي , واستمرت باجترار موضوع الاستقلال , وتوظيف هذا الموضوع في خدمة الكراسي , وعندما شعرت المنظومات بتململ الناس طورت نفسها باتجاه يضمن لها البقاء , الفكر العسكريتاري ..الشمولية ..الدولة الأمنية , الغاء المدنية , طوارئ الخ مثلوا الدواء لداء التململ , وهكذا سارت الأمور الى يومنا هذا , تارة تتقاتل المنظومة القومية العسكريتارية مع المنظومة التيولوجية , تارة أخرى يتفقون على تقاسم الغنيمة , لقد ثبت أنه لاخير بهم ومنهم ان اتفقوا او تخاصموا أو تقاتلوا , أكلوا الوطن وتآكل الوطن الى درجة الاندثار التي نراها اليوم .
اجترار موضوع الاستقلال واستهلاك مادة الاستقلال واهمال الوضع الداخلي لم يكن كل شيئ , الى جانب اهمال الوضع الداخلي , كان هناك اهمالا آخر , تسلح الفكر القومي والفكر الأصولي بسلاح العداء للغرب ورفض التراث العقلاني التنويري لعصر النهضة , المهم كان تكفير الغرب بأي شكل والابتعاد عن الغرب بأي ثمن , والقيادة كانت هنا للمنظومة الاخوانية , التي شعرت بمخاطر الحضارة الغربية عليها , الحضارة الغربية فتحت باب النقاش امام موضوع المرأة وموضوع الحريات والدساتير والزواج والطلاق والديموقراطية والعلمانية ..الخ , مما أصاب الأصولية الاخوانية بالذعر والارتباك , هنا ارتفعت شعارات الثوابت وعدم التلوث والخصوصية العربية …الخ , لذا الى القطيعة , من المقاطعة للغرب تم استثناء المواد الاستهلاكية كالسيارات الفارهة ومنشطات الفحولة والساعات الذهبية وغير ذلك , بالمقابل لاترحيب ولا تلوث بأفكار استقلالية المرأة ومساواتها ولا ترحيب بالعلمانية والديموقراطية , افكار الغرب شيطانية يجب الابتعاد عنه , ولا مانع من الاقتراب منهم استهلاكيا ,السيارة أهم من الفكرة !.
لقد كانت هناك مناعة نسبية ضد التنوير وضد الفكر الحر , الذي لايستقيم مع المقدسات والثوابت , التي انجبت ظواهر التطرف والإرهاب والانسداد والتأخر , لم يكن عند المؤمنين الاخوان خطة تستطيع التعامل مع متطلبات العصر ,شددوا على استنساخ الماضي تهربا من اعباء صناعة المستقبل والحاضر , العداء للفكر الحر الذي كان الغرب منبعا له منع بلورة مشروع نهضوي مستقبلي , لم تكن هناك خطة باستثناء خطة اجترار الماضي التعيس .
من لايملك خطة يصبح جزءا من خطط الآخرين , وخطط الآخرين مرفوضه بطبيعة الحال , لذلك سيطرت العفوية والغوغائية والارتجالية والضياع على حال البلاد , وفي سياق محاولة اجترار الماضي , الذي هو بطبيعة الحال تيولوجي, تطورت الطائفية والفئوية والمناطقية والتجزيئية التي كرسها الفقه والشريعة , التي ارادت الحلول مكان القوانين الوضعية , تلك كانت أوضاع لم تفرز سوى التردي الذي نلمسه ونراه هذا الوقت .
Post Views: 855