سمير صادق:
حسن حنفي يبقى حسن حنفي , رجل الترويج للشيئ وضده , حتى أن البعض قسم حسن حنفي الى حسن حنفي الأول والثاني والثالث , وكل منهم مختلف عن الآخر , تنتسب الأسطر الأولى من مقالة حسن حنفي الى حسن حنفي الثاني , الذي اخترع مفهوم الاستعراب كما ادعى كبديل عن الاستشراق المعاكس المعروف منذ فترة طويلة , على كل حال يمكن القول بأن كلمة ،استعراب ، ألطف من عبارة الاستشراق المعاكس وعلى وزن استشراق , وعليه ألف شكر لحسن حنفي .
دعى حسن حنفي للتفاؤل واستنكر التشاؤم ونفى تطور الحضارة العربية باتجاه الفناء , الا أن حسن حنفي بالذات وبعظمة لسانه قال في العديد من محاضراته بأن الحضارة العربية ماتت , اراد حسن حنفي ممارسة شيئ من المواساة للشعب المغبون والمحزون لكي لاينتشر “اليأس في قلوب الأمة ”, وبذلك تقلد الفيلسوف دور الأم الحنون , القارئ ينتظر منه ممارسة الموضوعية الصارمة والواضحة والصادمة , فادعائه المعروف عنه بأن الحضارة ميتة لايستقيم مع قوله باعتبار الحضارة تسير نحو الفناء خاطئ وتشاؤمي , لقد سارت باتجاه الفناء ووصلت اليه وماتت , أصلا لم يكن هناك مايستحق الذكر من التحضر .
على فرض صحة تشخيص حنفي لسمو الحضارة العربية , ولأن هذه الحضارة ورثت حضارات عملاقة , فينيقية فرعونية حمورابية ..الخ , لذلك لايمكن لهذه الحضارة أن تذبل , هنا يقدم حنفي اوراق اعتماده للقارئ كمفكر يناقض نفسه في سطرين , لقد ذبلت حضارة مابين النهرين والحضارة الفينيقية والفرعونية المصرية, فلماذا لايمكن للوريث العربي أن يذبل ؟ نعم ! كما يذبل الأب يذبل الابن أيضا , , وحتى لو كانت الحضارة العربية رائدة لعدة قرون يمكنها أن تذبل , ذبلت الحضارة الفرعونية بعد أن عمرت آلاف السنين وليس لبعض القرون فقط .
عاد حسن حنفي الى لاموضوعية الأم الحنون , ونصح بعدم اضفاء صفة الكمال على الآخرين , وعدم التنكر لقدرات الذات , من المفترض بأنه لاوجود للكمال في الحياة , وتعبير حسن حنفي عن عدم اضفاء صفة الكمال على الآخرين مجازي , ويقصد به علينا ان لانمتدح الآخرين ونقدح بالذات ,وبهذه المقولة جانب حسن حنفي الموضوعية , انه من الضروري تعريف الآخرين بدقة وتعريف الذات بدقة أعلى والأمور في الحياة نسبية , عندما يتفوقون يجب الاعتراف بتفوقهم , وعندما ننهزم يجب الاعتراف بالهزيمة , ولا علاقة لهذا التقييم الموضوعي بأمر الانسلاخ عن الحضارة و بيع الذات لحضارات الغير بثمن بخس , ثم الولاء الطائفي للآخر أو لتعصب ديني من أقلية تجاه تراث الأكثرية , وضع حسن حنفي كل تلك الاشكالية بقالب الولاء القومي , وسأل هل هو للغير أم للذات ,فهل يجوز للولاء القومي أن يتحكم في موضوع التقييم , الذي عليه أن يكون بمنتهى الموضوعية العلمية .
كلام حسن حنفي بهذا الخصوص شعبوي , انتظر كلاما من هذا النوع من قبل جاهل ..من قبل انسان شبه أمي أو من رئيس عربي بثقافة الشهادة المتوسطة , وليس من الأستاذ الجامعي حسن حنفي , اذ لايجوز ربط تقييم الغير وتقييم الذات بالانتماء القومي والتعصب للانتماء القومي , والذي يقيم موضوعيا وسلبيا وضع الذات ليس ذلك المنسلخ عن حضارته , الحضارة لاتريد التعصب معها , على من يتحدث عن الحضارات ان يترفع عن الجهوية والقطرية والمناطقية, فرجل العلم العالمي لايمزج في تعامله مع حضارة معينة بين تعريف وشرح وتحليل معالم هذه الحضارة مع التأييد المطلق لهذه الحضارة ومع كون هذا التأييد ضرورة للوطنية وضرورة لعدم وجود الانسلاخ (خيانة) , على رجل العلم أن يعرف بأنه حتى الانتماء التاريخي أو القومي قد أضفى على الانسان طابع “التزمت” , المناقض تماما للعلمية والموضوعية والقاتل لها , الانتماء المتزمت ثابت وغير قابل للزعزعة ثم أنه تام قلبي وعقلي ووجداني ,انه الفرق بين رجل العلم المنفتح وبين متشنج عشائري أو قبلي أو قومي عنصري.
لم استوعب سابقا تلك الاشكالية الكبيرة بين جورج طرابيشي وحسن حنفي , ولم ادرك تماما سبب حنق جورج طرابيشي على حسن حنفي, فبشخص حسن حنفي وجد طرابيشي مصابا بداء الازدواج العربي المتمثل باستخدام فلسفة المدح والردح في تعريف الذات وتعريف الآخر , يجمع حسن حنفي حسب نظرة طرابيشي بين الفيلسوف والفقيه وبين الانتصار للحداثة والانتصار للقدامة , بين التماهي مع الغرب وفك الارتباط بالغرب بين نقد التراث الى حد الهدم والدفاع عن التراث الى حد الأمثلة , يجمع القول مع عكسه , وما قدمته مقالته لحد الآن يؤكد هذه النظرة .
قال طرابيشي عن حسن حنفي بأنه فيلسوف ونبي , أصولي وتقدمي في آن واحد , شرع حنفي في القسم الثاني من مقالته بالفلسفة التي اجادها وشرح باقتدار آلية التقدم الغربي الذي قام بتعرية كاملة للواقع القديم ورفض لكل الوسائل المسبقة للمعرفة, لقد تحكم الفعل ورد الفعل في صياغة المذاهب الفكرية الغربية , وهذا مايميزهم عنا , نحن الذين قمنا بمحاولة نشر كل المذاهب على واقع لايزال مغطى بغطائه النظري القديم التقليدي الموروث , وضعنا قشورا فوق الأعماق , لم تؤثر , بل تساقطت اذا ماتحركت الجذور , التقليدي حنفي يدعو هنا الى القطيعة مع التراث , وكأني به أدونيس في تطرفه .
ثم يتابع حنفي في تعريفه للمفكر ,فالمفكر لدينا له معنى آخر تماماً, ينبثق من المرحلة التاريخية التي تمر بها مجتمعاتنا, فنحن ما زلنا وقد بدأنا ذلك منذ قرون في عصر الانبعاث نحاول أن نتجاوزه إلى عصر النهضة, ومفكر عصر النهضة هو الذي يتصدى للموروث القديم محاولاً نقده وإعادة بنائه, والتحرر من معوقاته, وأخذ نقاط قوته, واكتشاف الطبيعة مصدراً للعلم, والحواس والعقل إحدى وسائله, واعتبار الحاضر أولى من الماضي, ويقوم مفكر عصر النهضة بهذا التحول الجذري في محاور الحضارة ومستوياتها ولغتها ومناهجها حتى يمكن بعد ذلك أن يتحرر العقل ويتجه نحو المعرفة العملية, تعريف مقنع خاصة ما تلا ذلك من نقد للشلل العربي الذي نقل ولم يعقل ولم يجدد جذريا ولم يساهم في بناء النهضة .
قدم حسن حنفي في نهاية المقالة جردا موضوعيا فلسفيا وليس نبويا عن شعوب المنطقة , التي تتميز بعدم ادراكها الواقعي للماض ولحاضر النقل عن الغرب , اذ وقعت نتيجة لذلك في حالة الفصام بين الأزهر والجامعة وبين التعليم الديني والتعليم الدنيوي ,وفي الاغتراب بين القديم والحديث , بشكل عام لم تبدع هذه الشعوب , والنتيجة شعوب مطحونة ومسحوقة بين القديم والحديث , تائهة وضائعة !
