ممدوح بيطار :
بما أن أهمية وقيمة اللغة تكمن في حمولتها , وفي نوعية هذه الحمولة ,وليس في شكلها او قواعدها او عدد مفرداتها , فعمليا لاوجود للغة سيئة بشكها المجرد , لاعلاقة لتطور اللغة بالذات اللغوي , انما بالحمولة , اللغة تابع للحمولة , وليس العكس .
ولنفكر بأتاتورك على سبيل المثال , الذي حاول انقاذ تركيا عن طريق سد أو اغلاق الطريق أمام اللغة العربية , فحمولتها حسب رأيه موبوءة بالخرافات والتصورات المدمرة , مثل العنف والغرور والقتال والجهاد والفتح وغنائم الحرب وتعدد الزوجات ,ثم امور القدح والمدح التراثية وغير ذلك , مثل وظيفة شعراء بلاط السلطان, ونشر قيم الثأر ثم العين بالعين والأنف بالأنف ومفاهيم الغزالي وابن تيمية وحكايات السبابا والجواري والمختطفات …الخ , لم تكن خطوات أتاتورك موجهة ضد اللغة العربية , انما ضد المضامين والقيم اتي تنقلها وتنشرها هذه اللغة .
لم تقتصر جهود اتاتورك على موضوع اللغة , انما توجهت باتجاهات اضافية , اتى بها أتاتورك من الغرب , بالنتيجة تمايزت تركيا في العقود التالية عن عرب الشرق الأوسط بالعديد من الميزات التطورية الايجابية , التي لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من تثبيطها بالشكل الذي اراده اردوغان لحد الآن ,
لايمكن نكران نجاحات أتاتورك بخصوص تكريس الحداثة التركية , وبالمقابل لايمكن نكران تطورات عكسية في الدول والمجتمعات التي اعتمدت التعريب , وما رافق اعتماد التعريب من نقل لثراث مريض ومصاب بوباء الارهاب والأصولية والتأخرية ثم القطعية والقدرية , ولنا في تطورات سوريا والجزائر بخصوص التعريب خير مثال على التعريب الذي سهل نقل التوحش التراثي للناس وبالتالي تسيد التوحش .
ففي الجزائر وبداية سبعينات القرن الماضي , بدأ الخراب والعنف بالزحف الى بنية المجتمع الجزائري , الرئيس بومدين استقدم من أجل التعريب آلاف المعلمين من بقية الدول العربية , وهؤلاء جلبوا معهم جميع أمراض الشرق الأوسط , على الأخص فكر سيد قطب الاخواني السلفي , اضافة الى ذلك حمل التعريب ثقافات هدامة كثقافة الخلافة ثم ثقافة الغزالي وابن تيمية وعبد الوهاب والأشعري والشعراوي وغيرهم , ذلك ترافق مع الابتعاد عن الثقافة الأوروبية والعالمية المتمثلة بكانت وهيوم وغوته وهيجل وديكارت والآلاف غيرهم , من الذين أسسو للحضارة الغربية الحالية , نتيجة للانخراط في العربية واعتماد حمولتها في المجال الثقافي العام , تدنى المستوى الثقافي في هذه المنطقة من هيجل واسبينوزا وكانت وروسو وغيرهم الى مستوى الشعراوي وحفيده عبد الله رشدي ثم سيد قطب ومحمد عمارة وأمثالهم .
لم تمض سنوات على التعريب , الذي نقل ثقافة الجهاد وخير امة والفتوحات والحروب والسيوف والتكفير الخ , حتى انفجر الوضع في الجزائر بشكل حرب اهلية دامت على الأقل عشر سنوات وقتلت مئات الألوف من الجزائريين , وبها تمت ممارسة المجازر التكفيرية التي اعترفت جبهة الانقاذ بالقيام بها , والتي لاتختلف من حيث الخلفية الفكرية ومن حيث الدوافع والأساليب عن المجازر التي ارتكبت في سوريا على يد داعش وشركاء داعش .
أحد أسباب هذه التطورات المؤلة كان تسلل ثقافة العنف عبر الناقل اللغوي الى مجتمعات هذه المنطقة , لم تكن للمئات من الفضائيات من مهمة سوى الترويج للعنف وللجهاد , الأندونيسي أو الماليزي وغيرهم لم يتأثروا بما يروج له وجدي غنيم او الشعراوي او رشدي او غيرهم , لأن هذه الشعوب لاتفهم العربية , وبالتالي بقيت هذه الشعوب بمنأى عن مفاهيم الجهاد والعنف والحروب , كل ذلك يعني على أنه يجب التعامل مع العربية ليس كلغة بشكل مجرد ,انما كناقل لقيم مرفوضة وخطرة على السلم الداخلي , الذي دمرته تلك القيم واستبدلته بالحروب التي قضت على الأخضر واليابس .
اللغة جيدة عندما تنقل الجيد , اللغة سيئة عندما تنقل السيئ , لم تنقل هذه اللغة الجيد بخصوص حياة الناس مع بعضهم البعض داخليا , وحياتهم مع غيرهم خارجيا , سبب ذلك كانت القيم التي نقلتها اللغة , كالعنف الجهادي وغيره , لذا لابد من وأد العنف والارهاب والجهاد عن طريق الابتعاد على ناقله أو حامله والمروج له.
الاشكالية كبيرة ,ولا اعرف حلا او علاجا شافيا لهذا المرض , يمكن القول على الأقل , ان التوجه لمصادر الثقافة العالمية قد يساهم في الحل , قد يساهم اعتماد اللهجات المحلية في الحل , لاشك في أهمية المدارس خاصة مناهج هذه المدارس في الحل , لايمثل الامعان في التعريب القيمي حلا , انما سقوطا في الانحطاط …
