بين “الأنا” العليا وبين “المؤمن” الأعلى …!

 ممدوح   بيطار:

 شهدت الثمانيات والتسعينيات من القرن الماضي صعود مايسمى الصحوة     الدينية  , التي ساهمت في خلق شعور عند بعض  المؤمنين  بأنهم ليسوا  مؤمنون  كما ينبغي عليهم   ان يكونوا ..ايمانهم  ناقص !! وعليهم بالتالي أن يصبحوا أكثر  ايماناوأكثر قوة وأعلى مكانة,  يجب عليهم صناعة   ذات ” ايمانية جديدة ”   , تتجلى  بالتقيد بأصول التدين والنصوص وحرفيتها وبأصول ممارسة الطقوس, بعد أن تاهوا في الماضي وابتعدوا عن الدين وأحكامه , وذلك تأكيدا  على   ان   الدين  هو الحل, وأنه   على  حياة  المؤمن أن تسبح في بحر من التعاليم والفتاوى   والتعبدات ,ضمانا للتمكن من خلق الذات الجديدة ,  على هذه الذات الجديدة أطلق المفكر  فتحي بن سلامة اسم  “المؤمن  الأعلى” تيمنا بالأنا الأعلى عند فرويد .

  المؤمن  الأعلى هو تصعيد لشخصية الاخواني, التي بدأت بلورتها في عشرينات القرن الماضي على يد سيد قطب وحسن البنا والجماعة , وأسست     للصحوة   الدينية , ترتكز   شخصية   المؤمن   الأعلى  الاخونجي  على عدة ركائز,  منها  العداء للغرب,  لاسباب   منها   تطوير    الغرب  للدولة  الحديثة اللادينية, والتي تعتبر الدين انتماء شخصيا لاعلاقة له   بالدولة  , التي تحولت الى كيان سياسي بحت ..لاتوريث ولا والي أمر ولا خلافة,انما علمانية ومواطنة ووطن   في   اطار  الدولة,  التي هي أرض ومجتمع وكيان سياسي يربط المواطنين مع   بعضهم   البعض   ومع    الدولة  بعقد اجتماعي يساوي بينهم جميعا أمام القانون , هذا التطور مثل تحديا للشرق المتثبت والمتجمد على فكرة الدولة الدينية .

 فالغرب صدم التأخر العربي -العثماني سابقا عن طريق حملة بونابرت(بونابرتي باشا ) على مصر , الغرب كان لاحقا مصدرا   للفكر القومي الذي نازع  ونافس  الفكر الديني , الغرب كان المحرض للمرأة للمطالبة بحقوقها , والغرب كان مصدر حقوق الانسان التي لاتستقيم مع منظومة حقوق الانسان الدينية    في   هذه    المنطقة   , الغرب هو الذي انهى الخلافة والحق الهزيمة بها, ثم قسمها, وهو الذي رضي بانقلاب أتاتورك على الدين واللغة والحروف التركية وعلى المشايخ والطرابيش والمحاكم الشرعية , الغرب هومصدر من مصادر الانزعاج  للاخونجية ,  هو   المنافس المنتصر أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا, والغرب أصبح هدفا   لتسول   المؤمنين  ومصدرا   لاطعامهم  وتأمين السكن والغذء والماء والدواء لهم , أكره أمور الحياة هي  الاستجداء لدى الخصم   المرفوض دينيا ,  لدى  الكفرة!!!!,  فلولا الكفرة لمات  الكثير   من  المؤمنون جوعا , وهل   هناك حالة   أصعب  للتحمل    من   هذه   الحالة ؟.

   شعرت  الصحوة   الدينية بعد عام 1953 بالضعف وعدم المقدرة على  مواكبة  حضارة القرن الحادي والعشرين   , لذلك حاولت الالتفاف , وابتدعت اسم الدولة المدنية,   التي  بقيت  يتيمة   ودون مفهوم محدد , اذ  لم   نعرف  تماما القصد من هذه الدولة المدنية , الا أنها وبدون أدنى شك    ليست  دولة روسو أو جان لوك أو هوبنز المدنية ,   لقدكان   القصد من الطروحات المبعثرة   حول الدولة المدنية  ابعاد شبح   الدولة   العلمانية  عن التداول , كل   ماطرح   بهذا    الخصوص   أوحى   بأن هذه الدولة  المدنية  ليست الا نسخة سنية لجمهورية الملالي الشيعية, تلبيس الدولة المنشودة بلباس “المدنية” لم يكن الا حركة   التفاف   واهية , ولكونها  واهية لم يجد مفهوم دولة الصحوة المدنية أي مكان في الأدبيات السياسية والاجتماعية الأكادمية  في   القرن   الماضي  .

   كان    انهيار  الخلافة العثمانية   في   اوائل   القرن   الماضي المسبب الرئيسي لولادة    المذهبية   السياسية  ,   التي   أرادت  احتضان    أمة   المؤمنين   , وأن   تكون   لها  لها حاملا وحصنا  يحميها   ,     لذا   بدأت    الجهود   تتوجه   نحو   اعادة   احياء   الخلافة  ,   المؤمن  الأعلى كان  الكفيل باعادة بناء هذه   الخلافة , هنا أصطدم  مشروع   اقامة   الخلافة  مرة أخرى مع الغرب الذي   رفض  الأمبراطوريات الدينية, والتزم بالأمبراطوريات الاقتصادية أوالسياسية أو العسكرية , الغرب رفض الامبراطورية الرومانية كحاضن للمسيحية,  والتزم بما أقرته اتفاقيات فستفاليا, التي تعتبر الحجر الأساس في بناء  الدول  الأوروبية الحديثة .

 لكي يصل  الدين  الى أهدافه عن طريق   المؤمن   الأعلى, كان  عليه اعادة انعاش ممارسات كالجهاد  ثم الترويج للزهد في الحياة الدنيا,  الذي ينقلب الى ترف وحوريات في الحياة الآخرة , على  المؤمن   أن يشعر بالذنب والتقصير وبذلك يحاول معاوضة ذلك عن طريق اعتلائه الى مرتبة   المؤمن الأعلى, كاعتلاء الانسان الى مرتبة الأنا الأعلى المثالية ,فبنظر  الدين  السياسي والصحوة يمثل  المؤمن  الأعلى “مثالية”  المؤمنين  وأسمى ثم أرقى أشكال  الايمان  والممارسة الدينية.

  شعور     المؤمن   بالتقصير   والذنب   ليس   الا      ترجمة   لطفلية   قاصرة,  تمت     صناعتها   من   خارج   المؤمن ,  انه   تسلل   او  عدوى  بمرض  الاحباط  الشخصي  وبالتالي   الاحباط   الجماعي ,  الذي   يستدعي   الحاجة   للعلاج ,  والعلاج   يكون   بالترقي   الى  حالة   المؤمن   الأعلى  , والترقي   يتطلب   احيانا   القيام   بالانتحار   الاستشهادي      اي   الموت   الطوعي ,  الذي   يعني      الانتقال    الى   الحياة   الأفضل  , والى  حالة   الانسان   الخارق   ,  الذي   يمثل   خروجا   من “الانساني البشري”   ودخولا  في فضاء  الجثث والمقابر  , صناعة الكائن  الخارق  عن طريق  التضحية  بالذات  مؤسس   على   الوهم  , فمن  يريد  الشهادة  قصدا  وعمدا  انما هو  أصلا مصاب  بلوثة  “كوتار”, التي  تقزم  الوجوده  الدنيوي   المادي  وتدفع    المصاب   بالمرض  الى احتقار نفسه واهمالها  ,  وهذامايدفعه الى التخلي عن الذات واستسهال الموت ….يقال في سبيل الله تكاذبا على الذات , ليس في سبيل الله وانما في سبيل الذات والحوريات,  فكلما  ازداد شقاء الأنسان في هذه الدنيا , ازداد   تعلقه بالمعاوضة والانصاف في الحياة الآخرة , لذلك يجب اشقاء الانسان واشعاره بالذنب والقصور والاكتئاب لكي  يمكن  دفعه الى التخلص من حياته  الأرضية  ,  صناعة  المؤمن   الأعلى هي الصناعة التي تجرد الموت الفعلي من دلالاته ومعانيه , صناعة   التوهم وصناعة الجثث والقبور , صناعة الالتباس بين الحياة والموت !.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *