معيارية الحوار, بين الخيار الشخصي والاجبار الاجتماعي ..!

 ممدوح  بيطار  :

      من   لايحاور   سيحارب .. 

 لكل ظاهرة   معيار ,ومعيار الحوار عند الأصولية ..لاحوار , وللاحجام عن الحوار أسباب بنيوية , منها المعيار الدوغماتيكي , منها  نرجسية امتلاك الحقيقة المطلقة , اذ لايوجد غيرها من حقائق , وعلى ذلك تترتب أمور كارثية كالانغلاق  والاقصاء والهيمنة, ولما كانت الأصولية متيقنة من مضامينها الفكرية , لأن هذه المضامين تمثل الحقيقة المطلقة والمقدسة  , لذا نجد  نزعة مرعبة    جنونية   في ادبيات الأصولية  نحو استخدام مبدأ  التشنيع والتقريع والتخوين والتكفير , وخدمة هذا المبدأ تتطلب ناقلا    أو  حاملا  لها ,والناقل هو الكلمة , التي تصنف في معظم الحالات ,   بأنها سوقية ,انظروا الى كتابات المشايخ في المواقع التي تعج بها سماء العالم العربي ,صفحات تنضح منها لغة التشنيع والتوبيخ والتقريع والتخوين والتكفير , لغة غيرتاريخية  تنطلق من شوفينية تدعي التفوق على الآخر , بوصفه كائنا  متدنيا   لامقدسا ..كافرا..لا لزوم للحديث معه ,اما أن يقبل , أو يرفض , ورفضه يعني في أحسن الأحوال تأنيبه وتهميشه, وفي أسوء الأحوال اقامة الحد عليه  وحتى   قتله  .

الحوار هو” خيار” شخصي , الا انه  أيضا “اجبار” اجتماعي , ولما لا  دور للأمور  الشخصية في الحوار الاجتماعي  , لذا يبقى “الاجبار” الاجتماعي الأخلاقي , الذي يفرض على الانسان القيام بما يسمى “واجب” ,والتنصل من هذا الواجب يعني طغيان الخيار الشخصي الرافض , الذي تعبر عنه عبارة ..لاحوار , التي أطلقها قائد ثورة جبل الزاوية , فقد علمنا مؤخرا ان قائدها سماحة الشيخ العرعور ,  الذي  انتقل  قبل   عام   تقريبا  الى  جوار  ربه  , قد أصدر أوامره   لقطيعه  بالامتناع  عن   الحوار  , وبمجرد  وصول هذه الأوامر المشيخية الى آذان البعض ,  امتثلوا للأوامر وأبدوا الطاعة  ,فمن المعروف عن التنظيمات الأصولية تراصها  وتماسكها وتضامنها مع بعضها البعض , مما يعطيها قوة ضاربة لا تتناسب مع حجمها الشعبي الضئيل عادة , من لايحاور سيحارب !, أي أن هناك اجبار  على التعامل  مع الحربجية , ومع نتائج الحروب ,التي لانريد  الاشتراك بها , ولا نستطيع التعايش مع نتائجها ,ليس للبعض في هذه الحالة من خيار أفضل من خيار الهروب ,  هربنا   بعونه  , ان لم تقتدر على ممارسة   كل  المرجلة , فثلثيها يكفي .

بالرغم   من  كون   الحوار  واجب ,  الا   أن   ممارسته   مع   الأصولية  مقزز  للنفس   وغير  منتج    بسبب قطعيته , وقطيعته مع الواقع , الا اننا لانريد حروبا أهلية , ونأمل امتلاك المقدرة والصبر وسعة  الصدر لسماع  مايريده العرعور وغيره   المستحاثات , نأمل منهم أن يقولوا لنا مايريدون , وكيف سيصلحون؟ , ليس كيف سيصلون , ماهو مشروعهم بما يخص الديموقراطية بالتفصيل , وليس  باطلاق الشعارات العامة التعتيمية ..فكلمة الحرية تعني الجميل  القيم  الضروري للحياة , الا أن مضامينها مختلفة ..وهل يظن العرعور  وأمثاله اننا  سنتقبل  حرية  لاتعني أكثر  من حرية رجال الدين في استلاب حرية الفرد , هل يعني العرعور بالحرية “وأمرهم شورى بينهم” ,وهم فقط رجال الدين ,هل يعني العرعور  وأمثاله  بالحرية  دفع الجزية  أو تقسيم المجتمع الى قسم يسيطر حسب سنة الله ورسوله , وقسم ينعم بكونه من أهل الذمة, سعيد بما ينعم عليه العرعور   وامثاله  من تحمل وصبر وتسامح ؟؟؟,هناك    يقين   بعدم   جدوى   الحوار   مع   الأصولية  ,   التي   سبب  وسيسبب  وجودها اشكاليات أكبر من الاشكاليات التي نعيشها الآن .

ما  طلب  من العرعور   وما  يطلب    من   العراعرة وغير  العراعرة والدواعش  والفصائل    الاسلامية   بشكل   عام   ,  مطلوب أيضا من غيرهم ,اي  من   الجميع , وقد  طرح  الغير مرارا مايريد وكيف يريد  ذلك ,التيار الثالث   الرمادي   يريد    حسب   تقديري علاقة  طبيعية   راقية   بين   أي  سلطة  وبين   الشعب  , وهذا التطبيع لايتم الا عن طريق  التمثيل الشعبي  الحقيقي  , تمثيل   يتعثر   في  كل   الدول  العربية   , مما  يؤشر   الى  مسؤولية   الشعوب   في   تردي  ورداءة   عملية  التمثيل   الشعبي   , المواطن   الذي   يبيع  صوته   الانتخابي   ليس  جديرا    بصندوق   الديموقراطية    ,  المواطن   الذي  يدلي   بصوته  كما  يريد    شيخه  ليس  جديرا   بممارسة  الحرية  ,  المواطن  الذي    ينتخب  ممثلي   الرسل  والأنبياء ,   وليس  ممثلي   الشعب   غير  مؤهل    لممارسة   السياسة   الممثلة   لجوهر   صناديق   الاقتراع ..وعلى  هذا  المنوال …الخ,  يمكن     ذكر   العديد  من   المآخذ  على     الوعي   الديموقراطي   وعلى  ديموقراطية   الوعي   عند   الشعوب   , ومن   البديهي    أن  تكون   الحكومات   كالشعوب  تقريبا ,   الحكومات   من   الشعوب  ولم  يتم  استيرادها   من      السويد او  سويسرا  ,لاتقتصر   الحاجة   لتطوير  الوعي     الديموقراطي   عند   الحكومات ,التطوير   يجب    يتوجه   بالدرجة  الأولى  الى   الشعب   ,  الحكومات    تأتي   وترحل  أما   الشعب  فباقي .

يتأرجح  “الحوار” بين الارادة الشخصية , التي قد تكون رافضة لممارسته  , وبين الضرورة الاجتماعية , التي تتطلبه دائما ,بالنتيجة,الحوارهو دائما  تلبية لضرورة اجتماعية, ومن يمارسها هو المخلوق الاجتماعي , ومن يرفضها هو  الشخص المتقوقع  والمتواجد في طور ماقبل الاجتماعية .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *