ميرا البيطار :
لقد خسر العرب الاسلامي او الاسلام العربي معركته من أجل التحضر والتقدم , والبرهان على ذلك هو مانراه اليوم من تأخر وهمجية , هذه الحالة ترغم المهتم ببلده وبنفسه على طرح السؤال الضروري والملح :كيف حصل ذلك ؟
يجاهد الاسلام العربي أو العرب الاسلامي ويناضل ويحارب ويستشهد ويموت في معارك شتى , ومعظم هذه المعارك أو كلها تقريبا موجهة ضد عدو افتراضي خارجي لايمكن الانتصار عليه أولا , ولافائدة من الانتصار عليه ثانيا , لأنه حقيقة ليس العدو الخارجي كان المسؤول عن سقوط العرب الاسلامي في هاوية الانحطاط , المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد العدو الحقيقي , والعدو الحقيقي الخبيث كامن في اعماق ووجدان هذه الشعوب وفي تراثها الموروث .
انه العقل المصاب بالغيبوبة والانسداد , الذي سبب فقدان الرؤية والمنطق والاتجاه , وقاد الى الوهم والضياع وتجاهل الواقع والوقوع في مطب الازدواجية وجنونها , جنون العظمة وجنون المظلومية , جنون حب الديموقراطية وممارسة قتلها , جنون التشدق بالاستقلاية وحق تقرير المصير المقرون مع جنون محاربة الاستقلالية وحق تقرير المصير,الاستقلال ضروري للعرب , ولكنه ليس ضروري للاكراد وضار بالعرب , احتلال العرب لبلدان الغير حلال … فتح مبين , وحرام على الغير احتلال بلاد العرب, انه مرض الانفصام والازدواجية !
معركة العرب الحقيقية ليست مع الآخر, ولكنها أولاً وقبل أي شيء آخر معركة مع المنطق الذي جعل المنطقة العربية سفينة بلا دفة ولا بوصلة,لقد أصبح العرب في عيون العالم مجرد مخلوقات غريبة تسير على غير هدى وتنتحر بالتدرج ,إنها معركة لابد منها لتحرير العقل العربي من سجنه المعتم الخانق, معركة لاعطاء الفكر والفن و السياسة و الإقتصاد و الإجتماع و الإعلام و غيرهم من مجالات الحياة المعاصرة أدواراً ومسؤليات أصبحت ضائعة ومبعثرة وتائهة , الشعوب العربية تفكر بشكل خاطئ, وتعمل بالاتحاه الخاطئ , والنتيجة بالحصيلة خاطئة .
فضحت المسألة الكردية والمسألة الأمازيغية وغيرهم العقل العربي , الذي التبس عليه أمر الشغف “بالانفصال ” , والأكراد وغيرهم متهمون بمحاولة الانفصال وبالشغف في الانفصال , اذن هم خونة ويحاولون تدمير البلاد عن طريق تقسيمها وتفتيتها .
بعد ترويج مبدأ الحق في تقرير المصير (ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى), وتراجع الاستعمار الخارجي , أخذ حق تقرير المصير بعدا آخر , عبر عن نفسه من خلال الانفصال عن دولة مستقلة , كما حدث بانفصال بنغلا دش عن باكستان وحديثا انفصال جنوب السودان عن السودان , بالمجمل يمكن القول إن الدول القمعية التي تفتقر الى المضمون الديموقراطي والحقوقي , هي أكثر الدول إنتاجاً لحركات الانفصال أو بالأصح الانشقاق, , إن حق تقرير المصير بالانفصال عن قوى الاستعمار شيء , وقيام إقليم ضمن دولة مستقلة بالانشقاق عنها شيئا آخر , كل حركة انشقاق لها خصوصيتها وظروفها , التي تستحق تقييما تاريخيا واقتصاديا وانسانيا وجغرافيا خاصا .
السؤال الذي لم يطرح بشكل جدي لحد الآن هو ,من هو الانفصالي ؟, هل هم الأكراد أو العروبيون , هل هي بنغلادش أو باكستان , هل هو جنوب السودان أو شمال السودان , لنأخذ جنوب السودان على سبيل المثال , نظرا للهيمنة العنصرية العروبية والاستبداد العروبي الاسلامي , طالب الجنوب السوداني بالانفصال وتشكيل دولة خاصة به منذ ثمانينات القرن العشرين ,ومَن تابع الحرب الأهلية السودانية حول الانفصال يجد أن المشكلة الأساسية تقع في طبيعة العلاقة بين الدولة الأم من جهة وبين الإقليم الجنوبي الثائر من جهة أخرى , أصبح الانفصال نتيجة طبيعية ومنطقية لسوء علاقة الجنوب مع الشمال , ولسوء العلاقة صلة مع أزمة نظام السودان وطريقة تعامله مع فئات سودانية أخرى في ظل قوانين أسلمة الدولة على حساب الجنوب بتنوعه العرقي والديني المسيحي والوثني , فقبل أن ينشطر السودان لم يكن دولة واحدة وانما قوة احتلال أو استعمار شمالية ومستعمرة جنوبية , لذا يمكن القول ان الشطر الواقعي سبق الشطر القانوني , ومن شطر عمليا وقانونيا كان الشمال , الذي ألغى كل امكانيات الحياة المشتركة مع الجنوب , بحيث لم يعد للجنوب من بديل عن الانشقاق .
لنأتي الى الأكراد في سوريا وطريقة تعامل العروبيون والاسلاميون معهم ,هل يجوز لوم الأكراد بسبب رغبتهم في تقرير مصيرهم بالشكل الذي يروه مناسبا ,وليس بالشكل الذي يراه العروبيون والاسلاميون مناسبا لهم , الأزمة مع الأكراد كانت أصلا ازمة الفشل العروبي -الاسلامي في تعريف وفهم الوحدة الوطنية , فأقل مكونات الوحدة الوطنية هو العامل الجغرافي وأكثر مكونات الوحدة الوطنية هو الانساني والنفسي , وحدة الارادة بالعيش المشترك !!, ووحدة الارادة لاتتم بالقسر وتكسير الأضلاع ,انما بالبرهنة على أن الحياة المشتركة مفيدة للجميع , ولا يمكن أن تكون الحياة المشتركة مفيدة للجميع الا عن طريق المساواة بين الجميع , والمساواة بين الجميع لاتتم عن طريق تعريب الكردي من قبل العروبيين قسرا , المساوة لاتعني تعليب الكردي بالحزام العربي وتعليب الحزام العربي بالحزام العلوي, ولا تتم الوحدة الوطنية بنزع الجنسية من البعض أو اعتبار البعض لاجئين أو ضيوف أي مواطنين من الدرجة الثانية , عدم احترام هذه المبادئ يمثل الصخرة التي تتصدع عليها الوحدة الوطنية , الانشطار العملي الواقعي يسبق دائما الانشطار القانوني ان كان في السودان أو سوريا أو العراق أو تركيا.
من يستحق لقب انفصالي هم العروبيون والاسلاميون , الذين تسببوا في شطر العديد من البلدان , والشطر أصبح قانوني كما في حال السودان , في ظل المساواة لايفكر الكردي وغير الكردي بالانفصال , فسوريا الدولة تحولت الى جيفة يهرب منها من استطاع الى ذلك سبيلا , لافرق بين حالة الأكراد وحالة المسيحيين , الذين (انفصلوأ) هروبا الى الخارج , لعدم امتلاكهم لجغرافيا طائفية كالأكراد أو العلويين أو الدروز, ماذا سيفعل العلويون لوتمت معاملتهم كما عومل الأكراد ؟؟؟
Post Views: 578