بهلول
عندما علمت بأن أهل البيت سابقا اكتفوا بخمس المداخيل عن طريق الغنائم , صعقت وكدت أنفجر , ولم يساعدني في لحظة التوتر الا مفهوم النسبية , والمقارنة بين أهل البيت سابقا وبين أهل البيت حاليا , استفهمت عن نسبة أهل البيت الحاليين من ثروة البلاد , وعلمت بأن ٨٠ ٪ من ثروة البلاد أصبحت في جيوبهم , وماذا عن مابقي من الناس ؟ قيل لي انهم تحولوا الى أهل الشارع , جواب منطقي جدا!!, فعندما يتملك أهل البيت ٨٠٪ من ثروة البلاد ليس لأهل البلاد الا التحول الى أهل الشارع , اذن نحن شعب مؤلف من أهل البيت ,أي أهل المزارع والمنافع والمدافع وأهل الشوارع , ولكل رزقته وحصته , التي كانت سابقا خمس وتحولت حاليا الى أربعة أخماس,هذه حكمة الله , والله يرزق من يشاء انه الرحيم الغفور , وعلى كل شيئ قدير
لأهل الشارع أي للرعية العامة دخل شهري أو راتب محدود , بمقدرته تغطية تكاليف ثلاثة أيام من كل شهر , ولا أعرف كيف يعيش أهل الشارع في الأيام ال٢٧ الباقية , أما أهل المزارع والمنافع فدخلهم غير محدود , لكل منهم مايحتاج ولكل حسب لصوصيته , عدم محدودية الدخل تسمح لانسان المنافع أن يؤمن مستقبله المادي ومستقبل أولاده ,يقال على أنه كانت لجهودة “نتيجة”(عمل نتيجة), والنتيجة تأتي من خلال التنفع الذي يسمى ايضا سرقة ,أي نهب وتعفيش وابتزاز وفساد , السوري “شاطر” وحريص على عمل نتيجة , ملايينه أتت من الله الذي أرزقه , والله يرزق اللصوص , وكأنه زعيم عصابة , علي بابا والأربعين حرامي
يد السوري طويلة , ولسانه لايعاني من القصر في ممارسة التلفيق والمداهنة ,شعب المنافع والمزارع يمارس الاستيلاء على الأموال العامة والخاصة بثقة وراحة ضمير , والأمر تطور ليتحول ذلك الى نوع من الفطرية والهواية في تجميع الأموال في الكراجات والأقبية , حيث لم يعد هناك مكان في الخزنات , السيد الجنرال هاوي أموال وهاوي ويسكي أزرق وهاوي السيكار الكوبي .. سيكار كوهيبا على الأقل , هذا الجنرال يعيش الحياة الشيوعية بأسمى صورها , فلكل مايحتاج ومن كل مايستطيع, وما ذنب الجنرال بخصوص الفشل في تحرير فلسطين؟؟؟ انه منشغل ليلا نهارا في لملمة المال السوري ووضعه في اياديه الأمينة , وقدوته كانت الرئيس , الذي لم ير من ضرورة في ادخال مداخيل البترول في الميزانية العامة , وعندما سؤل وزير الغاز والكاز عن سبب عدم ادخال ٢٥٪ من انتاج البلاد في الميزانية العامة , أجاب الوزير , مداخيل البترول موجودة في يد الرئيس الأمينة, هنا شعر الرئيس بأن تعبير الوزير تهكمي مجازي , وكأن الوزير يقول بأن الرئيس لص , لقد اهان الوزير الوغد الوطن بذلك , ومن رجال الأمن تلقى السيد الوزير وصلة الشتم المألوفة , التي على الخونة سماعها
ولاه يا خ.. يلعن أبوك يا كر يا أخو الشرمو.. والله لأفعل كذا وكذا بأم.... مين أنت يا حقير يا منّيـ….راح أدع.. على رأسك بصبا.. ,بدك ميزانية يا كل ..”؟ بترفع راسك على أسيادك يا أخو المنيـ .. عامل نفسك وزير يا واط.. والله لأدحش الوزارة والمازوت ب طيـ.. أم.. يا ابن العأ…, لولا الرئيس شو كنت ياخر.. …الخ
تلك هي اللغة التي تستخدمها زبانية أهل المزارع والمنافع مع أهل الشوارع , وفخامة الوزير كان ديكورا شوارعيا , نصوص كهذه مألوفة جدا ومختلفة بعض الشيئ , فأهل الشوارع متهمون بالخيانة ولاديا حتى يثبت العكس, وكيف يثبت العكس؟؟؟ , أما بترفع أهل الشارع الى مرتبة أهل المنافع , كأن يتحول بقدرة قادر عتال في سوق الخضرة الى خواجة عن طريق سرقة محرزة (لقطة), أو بارضاء أهل المنافع بما فيه النصيب , وان لم يتم الترفع والارضاء فسوف لن يكون لأهل الشارع الا الجرجرة من خوف الى خوف ومن ضريب كفوف الى آخر ومن دهاس رفاس الى دهاس ورفاس آخر
بغض النظر عن الرفس والدهس و الاستيلاء على فرنكات الفقير من أهل الشارع , سألت نفسي عن السبب الذي يدفع اللغة لتتحول الى سوقية بذيئة وتوحش لفظي منحط يهتك انسانية وكرامة الانسان ويحطم كبريائه , وأين ترعرعت تلك الثقافة التي استلهم منها رجال الأمن قوانين الرفس والدهس و أسلوب الزعران في التحدث الى أهل الشارع , شأنهم شأن الاسلاميين الذين يخوضون التعارك بالتعابير البذيئة في كل نقاش , حيث ينتهي النقاش عدميا باعدامه
أظن بأن انحدار لغة التعامل مع الغير من قبل الاسلاميين والسلطويين ذو علاقة مع العديد من العوامل , منها فقدان الحجة في التداول الفكري مع الغير , ثم افتقاد أدنى مستويات التربية , واليقين بامتلاكهم للحقيقة المطلقة , الى جانب ذلك هناك شحنة تراثية من الكراهية وحب الانتقام والرغبة بالاغتصاب وممارسة غريزة تمزيق الفريسة , كل ذلك يعبر عن درجة تحضر البعض , كل ذلك من عنف لفظي , رديف للعنف المادي الذي يستولى على فرنكات الفقير, كل ذلك ترجمة لتوحش السلطة السياسية والسلطة الغيبية الذكورية البدوية.
الناس في بلادنا التعيسة يأكلون بعضهم البعض ماديا ومعاملة, لا فرق بين هدر الكرامة لفظيا وبين هدر دم الآخر بالساطور أو البندقية , أسوء وأصعب مافي الدنيا هو أن نصمت تجاه تفاعل الرزائل بشكلها المادي والمعنوي , أن نصمت تجاه تحطيم البشر بتحويلهم الى مخلوقات الشوارع أو وتحطيمهم بلغة الانتقام والكراهية الشوارعية
