مها بيطار ,ممدوح بيطار :
لامعنى ولا جدوى ولا فائدة من الادعاء بالانتماء الى خير أمة , الا اذا اعتبر المدعي بأن هذه الأمة متفوقة على الأمم الأخرى بخصائص جوهرية متفوقة وعلى اعتبار الأمم الأخرى أقل خيرا من خير أمة , ومن أين سقط هذا الخير على هذه الأمة الخيرة ؟ هل هناك خصائص عرقية تميز بين المنتمي لخير أمة وبين المنتمي لأمة أقل خيرا , ولنعبر عن مأرب هذه المفاضلة بشكل واضح وخال من أي التباس , انه تمييز عنصري لأسباب عضوية ولادية أو مكتسبة , ولندع الولادي جانبا لكونه عصي على البرهنة , الأمر كله بقضه وقضيضه مكتسب , ومرافق لاكتساب الدين الجديد قبل حوالي ١٤٠٠ سنة , فبدو الجزيرة لم يكونوا قبل الاسلام خير أمة , ولأن الأمة أصبحت مسلمة تحولت الى خير أمة ومتفوقة على الأمم الأخرى .
يترافق الشعور بالانتماء لخير أمة في كل الحالات مع سياسات وممارسات تبلغ قمة توحشها بممارسة التطهير العرقي , كما فعلت النازية , وذلك حفاظا على الخير ودفاعا عنه من االشر الذي يتربص به , اعتمدت النازية في اعتبارها للعرق الآري خير عرق على خواص شبه علمية ملفقة لاثبات الفوقية الآرية والصفاء العرقي مثل شكل الأنف وعرض الجبهة ومقاييس الجمجمة وغير ذلك من الهراء , وعلى ماذا اعتمد بدو الجزيرة في قناعاتهم بأنهم خير أمة ؟؟ , وحتى أنهم في ذلك الوقت المبكر بعد ولادة الاسلام لم يكونوا مسلمين حقا الا بالنطق بالشهادتين وترداد عبارة لا اله الا الله …الخ , ثم أنه لم يكن هناك قرآن , والشعوب البدوية كانت شعوب شفهية لاتقرأ ولم تكتب يوما ما كتابا , وعلى فرض كانوا مسلمين حقا وعن قناعة بالدين الجديد , يجوز للمسلم اعتبار نفسه كما يريد , ولكن لايجوز له اخلاقيا اعلان فوقية انتمائه مقارنة بالأديان الأخرى , خاصة وان الاسلام لم يبلغ أنذاك درجة التبلور والتجوهر.
ادعاء خير أمة , أي أفضلية وتفوق هذه الأمة على غيرها , انما هو ادعاء خرافي وجنائي أيضا , ذلك لكونه يحط بشكل غير مباشر من قدر الأمم والأديان الأخرى , مفهوم خير أمة بمضمونه العنصري الديني محرم وممنوع من قبل الأمم المتحدة , فميثاق الأمم المتحدة كرر أربع مرات عبارة: “لاتمييز بسبب العرق أو الجنس (التمييز بين المرأة والرجل) أو اللغة أو الدين”…هناك أمم خيرة ولا وجود لخير أمة .
بغض النظر عن هزالة مفهوم خير أمة , يمكن اتهام من يتشدق به بأنه يريد النصب والاحتيال على الآخرين , وذلك من خلال الحصول على امتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية ورمزية دينية, لأنه ينتمي لخير أمة , فلا يجوز على سبيل المثال أن تحكم خير أمة من قبل غير مسلم, ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يكون سوى مسلم, ولا يجوز للمسلم أن يغير دينه عند زواجه بذمية , بينما يجب على المسيحي تغيير دينه عندما يريد الزواج من مسلمة , تغيير الانتماء الديني المشروع والممثل لحق جوهري من حقوق الانسان , أصبح شارعا وحيد الاتجاه ,
لايدرك المتبجحون بالشعور بانتمائهم الى خير أمة عمق الاحتقار الذي يلصقه هذا المفهوم بالغير وبدون موجبات موضوعية , فموضوعيا لايمكن القول ان أمة أو أمم المسلمين خير الأمم, ولا وجود لتفوق هذه الأمة أو الأمم على غيرهم , ففي العديد او حتى في كل الحالات تقريبا يمكن رصد أسوء أشكال الانحطاط والدونية لدى هذه الأمم المؤمنة .
مفهوم خير أمة ضال موضوعيا ومتضمن لقدر هائل من الحط من مقام الآخرين , الا أنه من أكثر المفاهيم اضرارا بمن يرى نفسه على أنه من خير أمة, مفهوم معيق للتقدم الحقيقي الواقعي , فخير أمة لاتتقدم لأنها متقدمة بطبيعتها اعتبارا ,لاحاجة لها بالتقدم لأنها متقدمة ,انها خير أمة , مفهوم قاتل للنقد الذاتي, المسؤول شبه الوحيد عن احراز التقدم , لاتتقدم أمة مخمورة بالنرجسية والانتفاخ والغرور والعنصرية والتصورات الخرافية بدون نقد ذاتي أو غيري , لاحاجة لخير أمة بالتقدم , لأنها متقدمة بغيبيتها وتأخرها وتوحشها وعنفها وحروبها وادمانها على استنشاق غبار الجمل وصفين والردة وكربلاء وحروب الفتوحات والتكاذب على الذات, لوكانت هذه الأمة حقا خير أمة , لدفنت عثمان كما يدفن أي قتيل بلياقة , ولما ورثت الحكم للأبناء , ولما اغتالت معظم الخلفاء , ولما مثلت بجثث معظم العلماء , ولما غزت وسرقت ونهبت , ولما تفرقت الى فرق لاتزال تبحث عن الناجية منها , خير أمة لاتدمر أوطانها , ولا تدمر أوطان غيرها , ولا تذبح مئات الألوف من شعوب غيرها , ثم اين هي تلك الأمم التي تهتدي بخير أمة تقتل مفكريها وتصلب الحلاج وتفرخ الديكتاتوريات ثم تتطفل على موائد العالم , خير أمة لاتصاب بداء الارهاب الأعمى والتطرف , ثم مناصبة العداء لكل دول المعمورة تقريبا ..!
من حق وواجب كل أمة تجاه نفسها , أن تكون جزءا من العالم , تشارك في صنع ثقافتة وبناء علمه وحضارته , الأمة الخيرة هي الأمة التي تقدم الخير للغير , هي الأمة المنفتحة السلمية , الأمة الخيرة هي الأمة المهذبة التي لاتنتقص من الغير وترفض همجية مبدأ الولاء والبراء, الأمة الخيرة لاترفض “التلوث” بالخير ولا تعتبر التداخل الثقافي خطرا عليها , التداخل الثقافي هو انقاذ لأي أمة من نفسها.
تاريخ خير أمة تحول الى عبئ عليها , يركبها ويجهدها ويدمرها, تتحطم الثقافة وأي ثقافة تحت ثقل نفسها الجامد, لاتحتاج خير امة الى دين جديد ولا تحتاج الى تجديد الدين , تحتاج خير أمة الى الوقوف خارج الدين الذي اعماها , لافراطه في اليقينية وفي الاحتيال على الله , يقين مفرط بضلاله مضافا الى عقل كسول متكاذب هو ترجمة للكارثة !!
