الاعتذار , بين أزمة الأخلاق وأخلاق الأزمة…!

ممدوح  بيطار :

    لم تترك الدولة الألمانية مناسبة   الا   وقدمت بها الاعتذار  عن جرائم النازية  , ثم التعهد بعدم  تكرارها      ومحاولة انصاف من تضرر منها , ولا  أظن  بأن الدولة الألمانية قصرت     أو خاتلت في  تنفيذ  ماتعهدت به  , المانيا تصالحت مع  نفسها   ومع البشرية  , وهكذاتحولت الى دولة محترمة  ومتقدمة   وقدوة  لمعظم دول العالم  .

أما    الشعوب   العربية …! , والأمة  كما قيل  ويقال   بأنها  خير   أمة  أخرجت للناس ,   فلا   تجد    سببا للاعتذار  عن  أي شيئ  , وحتى   أنه على العثمانيين   أخوة الدين   أن لايعتذروا  عن مافعلوه بحق الأرمن وغير الأرمن ,  انهم  مشمولون  بمصنف خير  أمة  أخرجت للناس , وخير  أمة  لاتخطئ  , لذا فان فعلتهم  بخصوص الأرمن  هي واجب ديني  لاغبار عليه   , وكل مايقال عن مجازر ضد الأرمن هومن صنع الخيال ,  القصد منه الحط من الاسلام , مافعلوه هو واجب ديني تارة,وتارة  أخرى   تكاذب وتلفيق ,ثم ماذا  تريد  ايها  الحاقد على الدين من الخلافة   أن تفعل بمن   تآمر  عليها ؟؟؟,مع هذا الادعاء  تأتي وصلة من الأسئلة  التي    لاعلاقة له  بموضوع الأرمن ,وماذا عن  الفتك بالهنود الحمر في  أمريكا  , ثم ماذا  عن حرب فيتنام والعراق ,وماذا عن الحروب العالمية ؟وماذا عن احتلال الجزائر  والمليون شهيد   ..الخ, وكأن من  ينتقد  مجازر الأرمن   يبارك مجازر فرنسا  أو  مآسي حرب فيتنام  والعراق .
منذ أن بدأت العمليات الانتحارية في  استهداف  الأبرياء  باسم الدين , رفض  الإسلاميون عامة  نسبة هذه العمليات الى  التنظيمات الإسلامية,واعتبروها أفعالاً مخابراتية مدسوسة لتشويه الإسلام  ,ولمّا ثبت أن تنظيمات إسلامية كالقاعدة ثم داعش والنصرة هي بالفعل تقف وراء هكذا عمليات, وهي تتبناها بشكل رسمي وتعلن عن هوية الانتحاريين المنفذين, انتقل الخطاب الإسلامي  السياسي  الحركي والمؤسساتي مستنكراً  باستحياء, ثم أخذ بالتركيز أن عنف الأنظمة   الحاكمة , وأنّ عنف التنظيمات الشيعية يوازي إجرام الدواعش بل يفوقه.وهكذا مع كل جريمة   يتم استحضار عنف الآخرين وجرائمهم  كتبرير    غير   موفق   للعنف    التاريخي   العربي  , لقد  غاب عن نباهة هؤلاء  بأن  استحضار  اجرام الآخرين  كمبرر  للتاريخ    العربي  ليس الا  اعترافا غير مباشر  بالاجرام من   قبل   بدو   الجزيرة ,  وكيف  يمكن  لاجرام   هذه   الشعوب   أن يكون مبررا  لطالما   أجرم الغير , وماهي الدوافع الأخلاقية  التي  يمكنها تبرير  اجرام باجرام  آخر ؟؟؟  هل يعني ذلك  اباحة  الاجرام  واعتباره   أمرا طبيعيا  يمارسه المخلوق البشري  بدون رادع  أو عقاب !   
لقد  بلغت   هذه   الشعوب درجة عالية من   الانفصام  والازدواجية التي  تدفعها  للتباكي   ليلا نهارا على فلسطين, ولاستنكار  حقد اليهود ومكرهم ,  بالمقابل     يتباكون   على  فقدان   الأندلس   أرض   خلافتهم   وملكهم  ,  المفتوح  مملوك   من   قبل  الفاتح ,  الذي   فتحها  قتحا مبينا  لنشر الدين الحنيف  ,ومن له  أي مأخذ على  نشر  الاسلام ؟؟ فمن  يجد ذلك استعمارا  انما هو  زنديق  استحق   حد القتل ,  يتباكون  حتى  على “خسارة” الهند وسمرقند ,  لأن كل ماتم فتحة هوحلال زلال   لهم  , بينما   يعنبرون  هجمة هلاكو على بغداد  همجية , واحتلال   الخلافة العثمانية  لأجزاء من أوروبا  حضارية .
لم تستحضر  ألمانيا  في سياق اعترافها  باجرام الحروب واجرام النازية  عنف الآخرين  وحروبهم واجرامهم  كتبرير  لاجرام النازية , ولم تحاول ممارسة المخاتلة واعترفت بما  اقترفه  الشعب الألماني ممثلا بقيادته النازية بحق الآخرين  وضرورة انصاف المتضررين , وبذلك فعلت   ألمانيا   مايفرضه  العقل والأخلاق , فكيف يمكن  الاقتداء بألمانيا  عندما  لاتملك   هذه   الشعوب عقلاأو أخلاقا .
كيف   يمكن   لهذه   الشعوب    أن تعتذر , ولا تزال  تتراكض خلف  مفاهيم ابن تيمية, الذي  أجاز  قتل الولد لوالده المشرك, ورصاص ابن تيمية لايزال يخترق  عقولنا  بحديثه عن الحق المطلق لدار الاسلام ,والحق المطلق  للدين بابادة الناس  الغير مؤمنين بالاسلام ,الولاء والبراء !, كيف  تتمكن  هذه   الشعوب من  الاعتذار  عندما يكون  اجرام  هذه  الشعوب   بحق   نفسها  أعلى بدرجات من اجرامها بحق الغير,   يذبحون   أهلهم  بالساطور   ويحرقوهم  بالقفص وهم أحياء ,  يسبون   الأيزيديات وغيرهم  للبيع  في المزاد العلني  , هنا  يمكن تعداد   الآلاف  من    الممارسات الاجرامية الكارثية  بحق الذات  قبل   أن تكون بحق الغير .
هناك  أزمة “أخلاقية”,  أزمة   أخلاق مزمنة  وليست  أخلاق   أزمة عابرة,  تعود  الازدواجية  الشخصية  والمجتمعية  والسياسية  والتاريخية   الى   أزمة  في التربية  والمبادئ والنظريات والأسس  التي  تسيطر  على المسلكية وتسييرها  وتشوهها , فثقافة ابن تيمية   ليست  الا  معملا لسوء الأخلاق   وللازدواجية التي  تحرض على الأنانية  والذاتية المفرطة ,  التي  تمثل  تنكرا   “لحياة المبدأ”  الذي  يجب تطبيقه على الجميع  وليس عليهم  ولا علينا ,لقد انهارت في  هذه   الديار  مثالية العلاقات بين البشر  أفرادا وجماعات ,  وخرجت   الشعوب عن المسار الصحيح  للتاريخ  والتقدم الانساني , لذلك   هناك   التدني   الى  أدنى  مستويات الانحطاط , ما  فعلته    هذه   الشعوب   بحق   نفسها    أعظم بكثير مما فعله الغير  بها  !

https://syriano.net/2021/12

Leave a Reply

Your email address will not be published.