ممدوح بيطار , ربا منصور :
يعرف عن المجتمعات العربية جزئيا محاولة اعادة بناء نفسها وصنع مستقبلها على النمط الغربي بأبعاده الليبيرالية والتنويرية ,الا أن هذه المحاولة فشلت للعديد من الأسباب,منها تراجع المفاهيم القومية واليسارية وفشل الحداثة ,وللفشل آبائه وأمهاته المتمثلة بتطور المسلم السياسي , من المسلم الذي يتعامل مع هويته الدينية بشكل شخصي , ويتصرف كمواطن وليس كمؤمن يعيش في دولة وليس في كيان اسلامي , الى ذاك النموزج “الاسلامي” الذي يتصرف بهويته كمنظومة جماعية لها مشروع جماعي شمولي يسعى الى احتلال السلطة وبالتالي الى تطبيق الشريعة في اطار دولة اسلامية لاتستقيم مع الدولة القطرية ,وبالتالي تحارب هذه الدولة القطرية وتسعى الى افشالها .
لافرق بين اسلام سياسي سني وبين اسلام سياسي آخر , ولا يمكن تطبيق الاسلام الاصولي الا بنموذج داعش القديم قدم الاسلام وأشباهها كنموزج الوالي الفقيه , فمن يريد الدولة الاسلامية هو داعشي سواء شتم داعش أو امتدحها , أسس هذه الدولة معروفة وبينة , وداعش برهنت عن كل ذلك وشرحته وأوضحته , فالحياة السياسية المؤسلمة تتضمن الغاء الآخر اما بتصفيته أو وضعه في مستوى دوني , وتتضمن احتقار الحياة لصالح الآخرة وبالتالي تدمير الذات والتخصص في صناعة الموت , احتقار الحياة الدنيا يستقيم مع تخريب معالم هذه الحياة من عمران وحضارة مادية , ثم التوحيد الذي يتمثل به كل شيئ باستثناء الوحدة , لايعرف التوحيديون أكثر من الصراعات حول الرمزيات والنصوص ومعظم الأمور الدينية والدنيوية الأخرى , لايتقبل التوحيديون بعضهم البعض , وان اتحد وا لا يتقبلون غيرهم , يكمن جوهر وحدتهم في رفض تنوير عصر النهضة وبالتالي افشال النهضة …متحدون في السعي لتحقيق كل معالم الانحطاط, ومتفرقون في السعي لتحقيق ادنى مستويات التقدم .
بشكل عام يمكن اعتبار الاسلاميين أي الاسلام السياسي صنفان , داعية يكفر ويهدد , وجهادي يحاكم ويقتل تطبيقا لارشادات الداعية , وقد يجتمع الصنفان في شخص واحد, لذا فانه من الصعب فصل الداعية عن الجهادي , اذ سرعان مايتحول الشكل الأول الى الثاني ,هناك صنف ثالث هو ماسسمي الوسطية الاسلامية , التي تستعصي على التعريف لعدم وجود نمطا وسطيا محددا من الاسلام السياسي, , لا وجود لمسلم ملتزم بأصوله الدينية وهو وسطي في فهمه للحقيقة , اذ لاوسطية في فهم الحقيقة التي هي اما نسبية أو مطلقة , ثم انه لاوسطية في ضرورة نشر الاسلام ,ولا وسطية في أساليب نشر الاسلام , التي كانت وبقيت تعتمد على القوة . ,
الوسطية عليلة ومن الصعب تعريفها عند أرباب الوسطية كالقرضاوي , فما هو المعتدل الوسطي عند القرضاوي ؟ الذي يتذبذب بين داعية وبين جهادي, ظاهرة الاعتدال الوسطي افتراضية ,اسم بدون مضمون واضح المعالم , اسم مستعار للداعية وللجهادي في آن واحد وحسب الظروف التي تمليها ضرورة التنافق,
تعود عدم امكانية انتهاج وسطية أو اعتدال الى عوامل عدة, منها ايمان المسلم السياسي بأن عقيدته هي العظمى , وأن دينه هو الاسلام العظيم, , انه الدين الذي نطق بالحقيقة الأولى والأخيرة , ثم اعتقاد المسلم السياسي بكون الشريعة تقدم الحلول لكل المعضلات ..الاسلام هو الحل!!!, ثم الاعتقاد بأن القرآن يحتضن العلم حول كل شيئ , اعجاز علمي ! , ثم اعتقاد المسلم بأنتمائه الى خير أمة مما يزوده بقدر مميت من الغرور والفوقية , الايمان بصلاحية القواعد والأحكام لكل زمان ومكان, وبذلك التبس على الاسلاميين الدواء مع الداء , فما كان في سياق تاريخي دواء تحول الى داء في سياق تاريخي آخر ومغاير .
يتطلب مفهوم الاعتدال الكثير من التعديل , ليس في النصوص وانما في الممارسات , لم تغير أوروبا الانجيل , وانما أسست لما أسميه المسيحية الاسمية , وعلى هذا النسق يمكن التحدث عن اسلام اسمي (اسلام لايت light), اسلام يمارسه عمدة لندن وعمدة أمستردام والعديد من المسلمين في أوروبا وفي المشرق وفي كل انحاء العالم ,اسلام يحول العلاقة بين الدين والشخص الى علاقة اسمية يقتصر مضمونها على الحد الأدنى من الدين والحد الأقصى من القناعات الشخصية , الانتماء للدين لايعني هنا أكثر ممارسات شكلية لبعض جوانب الحياة كمراسيم الدفن او الزواج مثلا , الدين الذي لايتقبل ممارسة شكلية في هذا العصر ,سيتحول الى اشكالية العصر, لايمكن للدين أن يتحول الى شكلية وبالتالي يبتعد عن كونه اشكالية الا بنظام علماني , العلمانية هي حل لاشكاليات الدين, الدين الاسمي هو ضمان لاستمرار اي دين في الوجود !!
