جدلية عقلانية الدين وتدين العقل …
ممدوح بيطار :
عموما يمكن القول بوجود الكثير من التباين وحتى الضدية بين الدين والعقل , فأساس الدين شخصي , ويعتمد على الايمان المطلق المعطل للعقل , ثم التسليم والطاعة والنقل والتقديس , في حين يمثل العقل التفكير والشك والحرية والتطور وبالتالي الابداع والبرهان والمنطق والتنكر للحقائق المطلقة التي يرتكز الدين عليها , الدين مهتم بما وراء الطبيعة , والعقل مهتم بالطبيعة وواقعها وديناميكيتها , مهتم بالبراغماتيكية بعكس الدين المهتم بالدوغماتيكية .ماهو العقل ؟؟
لاوجود لتعريف واحد للعقل , عموما يمكن القول على أن العقل هو ادراك وتفاعل واستنباط لما هو أفضل للحياة , العقل هو اداة التفكير ومضمون الارادة , هو الفهم والفطنة التي تحتاج الى قدر مناسب من الذكاء , والمقدرة على التصور والتذكر ومواكبة المنطق واستنتاج المعاني والدلالات ثم تنظيم العلاقة بين السبب والنتيجة.
أما الدين فهو منظومة من العلاقات الفردية الشخصية التي تعتمد منهجية خاصة بالفرد ودينه , ليست مهمة الدين تنظيم العلاقة بين الأفراد بالدرجة الأولى , أي ممارسة نشاط اجتماعي , انما تنظيم علاقة الفرد بجهة افتراضية متواجدة خارج الأرض , أي الله , تعتمد المنهجية الدينية المختلفة من دين لآخر على التقديس والايمان والتسليم والتوحيد بما يخص الأديان الابراهيمية , تمثل الديانات بشكل عام فضاء الر وحانيات , الا أن بعض الأديان كالاسلام على سبيل المثال ليس روحاني فقط , انما مادي أيضا , فالاسلام يهتم بالربى , ويهتم بالمأكل والمشرب ….وغير ذلك من الأمور الدنيوية , هذه امور مادية ! , الا أن الاسلام يتعامل مع هذه الماديات وكأنها روحانيات بما يخص انعدام امكانية التطوير وما يخص مفهوم الصلاحية لكل زمان ومكان .
حول علاقة الدين بالعقل , هناك من يقول بأن الدين يحث على تعقل الكون , وهناك من يدعي بأن مجرد تقبل الانسان للغيب هو دلالة على تشغيل العقل , اذ لولا وجود العقل النشيط لما تمكن الدين من حيازة تلك المكانة , أي التقبل … اي أنه لادين بدون عقل! , بالمقابل هناك من لايرى تلك العلاقة بين العقل والدين , ويرى بأن الدين دخل القلوب ليس بمساعدة العقل , وانما بالرغم من معارضة العقل , شخصيا لا أرى أي سمسرة من قبل الدين للعقل أو بالعكس , ولا ارى دعوة من قبل الدين لتقبل العقل اوالسير في ركابه ,تمكن الدين من احتلال بعض المواقع عنوة وبالرغم من مقاومة العقل , الجهل جعل توازن القوى بين العقل والدين يميل الى جانب الدين, وبلتالي تقدم الدين مرحليا , هذا التقدم ليس نهاية التاريخ , انما مرحلة من مراحله.
أمر الدين معقد , وأمر العقل أشد تعقيدا ,ولا يمكن لمجرد ذكر مفردة “عقل” في بعض الآيات أن يكون ذلك دليلا على احترام الدين للعقل , أو أخذ الدين بالعقل …أفلا تعقلون !, لايؤتمن العقل على الدين, ولا يؤتمن الدين على العقل , هيمنة العقل تعني الغاء الدين , ولا يمكن جمع ضدية الدين مع العقل في مفهوم واحد , الا أذا كان هذا الجمع شكلي ومنافق ,
من الصعب جدا فهم مقاربات مثل عقلنة الدين او تدين العقل , قد يصبح ذلك ممكنا عند شطر العقل(محمد أركون) الى العقل الفلسفي والعقل الديني , الشطر هنا شكلي , يبقى العقل الفلسفي هو العقل بشكل عام , والذي يرفض العمل ضمن اقفاص مغلقة , أما العقل الديني فهو على العكس من العقل الفلسفي والعقل بشكل عام , العقل الديني يعمل داخل أقفاص وفي اطار بديهيات الدين وحقائقه المطلقة ودوغماتيته ثم معارفه الجاهزة والجامدة , والتي لاتحتاج الى التطوير والتغيير , لأنها بشكلها التي وجدت أو خلقت به , كانت صالحة لكل زمان ومكان.
لا أستطيع اكتشاف عقلنة في الدين , ولا أستطيع اكتشاف تدين عقلي , ولا أستطيع اكتشاف الدين الحقيقي العقلي , القادر على اكتشاف حقيقة الانسان المطلقة , العقل لاينسجم مع المطلق, والدين , الذي هو الاسلام في هذه البلاد , لايحتاج الى العقل , لكونه مرتبط بالنقل ومعتمد عليه بشكل مطلق , وما هي مهمات العقل في ظل النقل المطلق وفي ظل المقدسات والقطعيات والدوغماتيكيات ؟
Post Views: 408