حقوق الانسان ..اسلاميا وعالميا !!

 ممدوح   بيطار  :

 جاء الاعلان العالمي لحقوق الانسان أولا كضرورة , بعد أن أمعنت الشعوب والدول بصنع الكوارث والحروب , التي قادت الى الاجحاف بحقوق الانسان ,وقد استند المشرعون  لميثاق حقوق الانسان العالمي في تشريعاتهم على ادراكهم للضرورة التي ذكرت , وعلى نظرة شاملة للتراث المعرفي والحضاري العالمي ..فلسفة ..علم ..ثقافة , وحتى الأديان , وذلك لكي يستنبط  هؤلاء  منها ماهو جدير وقادر على حماية حقوق الانسان .

جميع الأديان  التي نعرفها انسجمت  مع الميثاق العالمي لحقوق الانسان , ماعد التيارات المحمدية , التي تخاصمت معه , متذرعة بأسباب واهية   ..تعصبية  ..تشددية , وسأوحال البرهنة على عدم منطقية ووجاهة هذه الأعذار والمآخذ !.

لا أريد هنا ممارسة  الدجل الديبلوماسي  وذلك بالقول , ان الدين    الحنيف  , ينضح بالقيم   والمصطلحات الانسانية والأحكام الأخلاقية , التي من شأنها احترام الانسان وحقوقه الفردية والجماعية , ثم أمارس التعجب من مسلكية    بعض رجال  الدين  المحمدي , التي  أفترض عندها أنها     تناقض   روح   الدين , أي تبرئة الدين وتجريم رجاله , مسلكية كهذه اعتبرها منزلقا كارثيا لايؤدي الى نتيجة ايجابية , الدين الحنيف   هو مبادئ وممارسة , وما يمكن ادراكه من الدين عمليا هوالطرح والممارسة , ولا قيمة للمبادئ معزولة عن الممارسة , ولا يجدي افتراض دين آخر  أمام أو خلف أو جانب الطرح والممارسة العملية للدين من قبل رجاله , انهم المعيار الأول والأخير , ومن خلالهم  أستطيع التعرف على الدين , وهم من أعلم الناس بالدين ..بكلمة أخرى هم الدين .

هؤلاء  يفترضون  على أن الميثاق العالمي لحقوق الانسان سيقود الى ضياع الهوية الاسلامية , وفي هذه الفرضية الكثير من الصحة , وذلك لأن الميثاق العالمي لحقوق الانسان يتناقض مع  تلك الهوية , التي تريد دائما أن تكون خصوصية ثقافيىة  تمتلك الحقيقة المطلقة , وبالتالي تقود  هذه الهوية الى الانغلاق والانعزال والغياب عن ساحة التفاعل الانساني .

اشكالية  الميثاق العالمي لحقوق الانسان مع  معظم بل كافة التيارات المحمدية هي اشكالية مبدئية ,    فالدين  الحنيف يتمحور  حول الشريعة  , في حين يتمحور الميثاق العالمي لحقوق الانسان حول  العقل , الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان هو زبدة الشريعة , في حين ان الميثاق العالمي لحقوق الانسان هو  زبدة العقلانية  البشرية  المؤلفة من مكونات عدة منها الفلسفة والتاريخ والعلم والديانات  جميعها  .

حقوق الانسان اسلاميا تنحصر في ممارسة واجبات الالتزام والالزام الديني  ثم التعبد  وممارسة العبودية لله  ومن يمثله على الأرض , أما الميثاق العالمي لحقوق الانسان  فيرتكز على نظرة شمولية , تعترف بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل  , مقابل تفاضل وتفاوت واضح لصالح الرجل   محمديا ..تعتمد على الأهلية القانونية للانسان  مقابل الأهلية الشرعية   له ..تعتمد على حرية الرأي  وتطور مضامين هذا الرأي , مقابل التقيد بالشريعة  والشرائع المتحجرة ..تتضمن حرية الاعتقاد , التي تقتصر وتنحصر محمديا   في الاعتقاد بالدين ا وخاتم الأنبياء , ثم التنكر للمعتقدات الأخرى لأنها  معتقدات كفر وضلال ..لاحرية  معتقدات في  الدين   الحنيف , لأن المرتد يستتاب    رفض رفض يقتل !!!.

 لو نظرنا الى الجغرافية الدينية  العالمية , لوجدنا   أن الانسان  في هذا العالم , ليس    محمدي فقط , وانما  هو  بوذي  أكثر منه محمدي , ومسيحي أكثر منه بوذي أو  محمدي  , فكيف حال من يريد العيش مع الآخرين , عندما يعتبرهم  جميعا من الكافرين , أي أنه لا يعترف حتى  بوجودهم الانتمائي  الوجداني العقلي الفكري ..انه الغاء لهم ..! ثم يريد هذا الانسان  قلب هؤلاء الى    محمدين   حتى بحد السيف , دون التفكير بأن الأديان الأخرى لها مايسمى حرمتها وعرضها ,عقاب الردة  من الاسلام هي الموت , وثواب الردة من المسيحية  اسلاميا هي الجنة ..التيارات الاسلامية ليست قادرة على اعتناق مبدأ المعاملة بالمثل , ولا تفكر بأن الأديان الأخرى   قد   لاتستسيغ الردة , ولو أرادت هذه الأديان معاملة المرتد    حسب   الطريقة  المحمدية ,    لتحول العالم   الى بحيرة من الدماء .

  تتنكر   التيارات  المحمدية  لأبسط مبادئ حقوق الفرد في انتقائه لانتمائه الديني , من ولد مؤمنا يبقى    مؤمنا   , حتى ولو اراد أن يصبح بوذيا , واذا أصبح بوذي يرهق دمه ,أفهم الحرية الدينية على أنها   حرية  من الدين    أيضا , وليس فقط في الدين , والميثاق العالي لحقوق الانسان  يشدد  عل وجود الفلسفة اللادينية , اللاديني  مساو   للديني .

لو طرحنا السؤال التالي : هل يمكن تطبيق  الاعلان العالمي لحقوق الانسان على كل انسان في هذا  العالم ؟؟, الجواب  نعم يمكن ذلك , والسؤال الآخر , هل يمكن تطبيق الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان على  كل انسان في هذا العالم , الجواب واضح ..لايمكن , ومن هنا يمكن  القول على أنه  لايمكن   تسمية  الميثاق الاسلامي ميثاق حقوق الانسان , انه ميثاق اسلامي  لبعض المسلمين فقط , أما الميثاق العالمي لحقوق الانسان  فهو ميثاق  صالح لكل مكان , وبفعل قابليته للتطور  صالح لكل زمان .

   يقول الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان  في مادته الثانية ..يولد الانسان حرا , ولا عبودية لغير الله تعالى , فكيف يستقيم كون الانسان حر مع استعباده من قبل طرف آخر  , هو الله , وكيف لنا معرفة مشيئات الله واراداته , وقد تبعثرت هذه المشيئات والارادات  على العديد  من التيارات والطوائف الدينية , التي يعرف    الدين   الحنيق  المئات  منها , ثم كيف هو حال من لايعرف الله ولا يعترف به ؟؟ والمحمديون  يريدون شكليا  العبودية لله بأشكاله واراداته المختلفة والمتناقضة جدا , واقعيا يريد هؤلاء استعباد البشر عن طريق كتابهم   المقدس ومفسريه وفقهائه , وهذا  هو بمثابة  استعباد البشر من قبل الفقهاء  الممارسين للفتاوى والتشاريع المتناقضة, التي تحول الله , الذي يقولون عنه انه واحد أحد , الى شرذمة من المتناقضلت  والعديد من الآلهة , حيث يعتبر كل اله منهم الآخرين كفرة وزنادقة .

حرية الرأي  التي اعتنت بها المادة الخامسة   من الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان هي  مصونة فقط خارج الشرع , لاحرية في نقض الشرع   , مع أن الشريعة هي القانون الذي يريد    المحمديون  تطبيقه على البشر , وكيف يمكن أن يكون الانسان حرا , اذا لم يكن بمقدوره  نقد القانون  الذي يطبق عليه وتطويره , ثم عن التربية حسب المادة الثالثة  , التي تقول على أن هدف التربية  هو تقوية الايمان , وما هو حال من لايريد الايمان بالله ورسوله , وتقوية الايمان تعني الايمان    المحمدي  , وهل على اتباع الأديان الأخرى أن يبقوا بدون تربية ؟ أو أنه عليهم بالتربية    المحمدية ؟

يشدد الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان في نهاية ديباجته على أن كل بنود هذا الاعلان مقيدة بأحكام الشريعة  ومقاصدها , ومبررا ذلك بكون الشريعة   المرجع  الوحيد  لتفسير وتوضيح  أي مادة من  مواد الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان …لنقل في النهاية  حقوق بعض المسلمين  من رجال الدين !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *