جدلية المعتدل والمتطرف , وشعار الاسلام هو الحل ..
ممدوح بيطار :
هل هناك في فكر الاسلام السياسي توجهات متطرفة تتميز عن توجهات معتدلة , يمكن التعامل معها في بناء الأوطان الديموقراطية الحديثة ؟, حقيقة لاوجود لفروق جوهرية بين الاسلام السياسي المسمى معتدل , وبين الاسلام السياسي المسمى متطرف!, أريد هنا التأكيد على أن اشكالية التطرف تعود سببيا الى القطعية ومفهوم الايمان والتقديس , وذلك بغض النظر عن نوعية المضمون الفكري , كل فكر أو فكرة تمثل موقفا محددا لايمكن تعريفه بأنه متطرف أو معتدل بسهولة , فالأمر هنا نسبي , انه موقف فقط , وعندما تكون خلفيته قطعية ومقدسة وممثلة للحقيقة المطلقة , يسقط هذا الفكر او الفكرة في مطب الخطأ.
بالرغم من ذلك , علينا النظر بتمعن الى الفكر الذي يسترشده الاسلام السياسي بمختلف انواعه وأشكاله وممارساته , يدعى هذا الفكر بالنهج الديني الاسلامي , الذي يتميز بكثرة الثوابت المقدسة القطعية , مقارنة مع الفكر المدني المتميز بقلة او حتى انعدام الثوابت وبالتالي بالديناميكية , مقارنة مع الفكر الديني القطعي ,الذي يرفض التغيير والتطوير القاتل للقداسة .
من يتأمل في منهجية الفكر الاسلامي السياسي بمختلف اشكاله , لايجد تباينا اساسيا بين توجهات فئاته , ففي خلفية كل هذه الفئات نجد دينا واحدا , بعض التباينات تخص الظواهر الثانوية , مثل مختلف أنواع التقية, التي يمارسها الجميع بأشكال مختلفة, الا أن جوهر التقية واحد !والاستراتيجية واحدة , وهي امتلاك الحكم السياسي , وبالتالي اكتمال الدين بدولة .
التكتيك قد يكون مختلفا أو متباينا بعض الشيئ , كتكتيك التمكن , أو الانقلاب او المشاركة في انتخابات لمرة واحدة , بعدها يعود الاسلام السياسي الى جوهره المتمثل باعتماد حاكمية الله , الذي يختار الحاكم المناسب له , ليحكم الشعوب بشريعته , التي انزلها على رسله , هنا لانجد فروقا جوهرية بين مايسمى اعتدال وبين مايسمى تطرف , موقف الاسلام السياسي أممي يلغي الحدود الجغرافية للدولة ويمارس الولاء والبراء ولا يعترف بمنظومة الأوطان , ولطالما كل ماهو خارج الاسلام كفر , لذلك لاتعايش مع التعددية ولا مساواة بين المؤمن والكافر , العدل هو الأساس , ومن العدل أن لايتساوى المؤمن مع غير المؤمن , للاقتراب من المساواة لابد من الأسلمة , عندها يتحقق الانسجام او ما يسمى تجانس الأمة , للأسلمة طرق مختلفة واسماء مستعارة مختلفة , التعريب أحد هذه الأسماء …. فالعروبة اسلام والاسلام عروبة ….
أمر السلف الصالح واحد عند جميع انواع الاسلام السياسي , ولافرق هنا بين مايسمى معتدل وبين مايسمى متطرف , كلهم يرون بالسلف قدوة , وكلهم يجدون طرق حياة السلف صالحة للقرن الحادي والعشرين , وكلهم يجهلون المتاهة التاريخية والفكرية التي يقعون بها من جراء ذلك , اذ أن زرع منهجية السلف في العصر الحالي , لايسمح بسلمية العلاقات الاجتماعية , التي تتحول عنئذ الى علاقات حربية , مؤسسة على “التكفير” وعلى الصدام بين الطاعة , التي يريدها الدين , وبين القناعة التي لايملكها الانسان العقلاني في هذه الحالة ,
منطقيا يجب أن يكون اسلام القرن الحادي والعشرين مختلف عن اسلام البدايات , فاسلام البدايات في القرن الحادي والعشرين هو اسلام غير طبيعي , الطبيعي هو دين جديد أو متجدد, والغير متجدد او الغير مقتدر على التجدد هو اللاطبيعي , انه البدعة الممجوجة والزندقة المرفوضة في هذا العصر, ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة هو جنون في هذا العصر , الشعور بالعصمة عن الخطأ هو مرض عقلي – نفسي في هذا العصر, فكرة حكم أموات الأمس لأحياء هذا العصر دلالة على وجود خللا ذهنيا كبيرا , وبالرغم من كل ذلك نجد من يروج للسلف المعتبر صالحا حتى في هذا العصر
ركب الاسلام السياسي موجة الاعتراض على البؤس والفقر والجهل والاضطهاد , الذي تعاني منه الشعوب , على الرغم من كون الاسلام السياسي هو المساهم الأكبر في الافقار والتجهيل والتأخر, لذا يمكن القول بأن علاج الفقر والتأخر والجهل يفترض الغاء الاسلام السياسي وازالته من الوجود , لركوب الموجة تأثير تمويهي على دور الاسلام السياسي في انحطاط المجتمعات المبتلية به .
كذب الاسلام السياسي وصدق كذبته , واذا ادرك الاسلام السياسي اشكالية الفقر والتأخر فعلا , فما هي الحلول التي عليه تقديمها لحل هذه المشكلة ؟ هل الزهد بالحياة الأرضية حل ؟, هل تقديم حياة الآخرة على حياة الدنيا حل , هل الاضطهاد حل لمشكلة الاضطهاد , هل المسلم دائما على حق , لأنه ينتمي الى الدين الحق ,هل المسلم على صواب مهما فعل لكونه يفعل باسم الدين الصواب ؟
لم يقدم الاسلام السياسي حلولا محددة لمشاكل محددة , لقد اكتفي بشعار ” الاسلام هو الحل” لذا علينا السير وراء الاسلام السياسي لأنه الحل …. كيف ؟ , لانعرف كيف يمكن أن يكون الاسلام السياسي الحل , هل الحل سيكون من خلال ماينصح به مبدأ عدم ” التشبه بالكفار” المشتق من شعار الاسلام هو الحل , واذا كان طريق الكفار ضال فما هي معالم طريق الاسلام السياسي ؟
شعار الاسلام هو الحل مضلل مهلهل , انه يربط المجتمع بالدين , بغض النظر عن شكل هذا الدين , انه بالتالي “مصيدة” فكرية تجذب المؤمن الى الدين اولا , أي أنه وسيلة لنشر الدين قبل أن يكون وسيلة لحل المشاكل , وكأن نشر الدين يحل مشاكل الفقر والمرض والجهل , نشر الدين يترافق مع تزايد كل تلك المشاكل , شعار “الاسلام هو الحل ” يجذب ولا يشرح , وبذلك يتم تكريس التوجه النفسي العاطفي للدين واهمال التوجه العملي الواقعي الى حل المشاكل , الشعار تلفيقة ولا علاقة له بالواقع المادي الأرضي , لذلك لايمثل الشعار حلا , انما انحلالا.
سوف أكتفي بهذا القدر المختصر , هناك تتمة ستنشر في الأيام المقبلة
Post Views: 488