الانصياع النقلي , مدارس تحفيظ القرآن …
ممدوح بيطار, ميرا البيطار :
كتب صديق فيسبوكي في تعليق له حول تدين المسلمين في الغرب مايلي :
“بالعكس, السوريين اليوم في المغترب أكثر التزاماً بدينهم مما كانوا في سوريا، دروس تحفيظ القرآن واللغة العربية قائمة على قدم وساق في جميع مساجد هولندا للسوريين ولا يوجد سوري إلا ويحرص على تحفيظ أبناءه القرآن منذ سن الثالثة أو الرابعة بينما لم يكن أي سوري يكترث بهذه التفاصيل في سوريا.
أما عن ضرب الإبن فأنا لم أشاهد في حياتي حتى في سوريا شخصاً يضرب إبنه لأنه لم يصلي ولا أعتقد أنك أنت نفسك شاهدت ذلك.”
نرى بما كتبه السيد المذكور الكثير من الاغتباط والسعادة والرضا بخصوص تحفيظ القرآن للأطفال ,وبذلك نرى دعما من قبل السيد الفيسبوكي لممارسة مدرسية تربوية اجرامية بحق الطفل , هذا من ناحية , من ناحية أخرى يجانب السيد المذكور الحقيقة في تعليقه , خاصة بنفيه ممارسة الضرب في مدارس تحفيظ القرآن , الآن نريد أولا التحدث بشكل مختصر عن اشكالية تحفيظ القرآن .
يمكن القول بشكل عام , على أن خبرات الطفولة تترسب في اللاشعور , وقد تبقى كامنة أو قد تتمظهر شعوريا وبالتالي مسلكيابعد مرحلة الطفولة , يقال على أن الشذوذ والاجرام الجنسي من قبل البالغين يعود في معظم الحالات الى تجارب هؤلاء في سن الطفولة , عندما يتم الاعتداء عليهم جنسيا ,يتحولوا بواسطة ترسب تلك التجارب في اللاشعور ويقظتها شعوريا الى ممارسين لما مورس معهم , موضوع هذه السطور ليس أمر الشذوذ الجنسي ,انما موضوع تحفيظ القرآن .
لقد فكرنا في الطفل الذي عليه في حقبة تكوينه الشخصي الأولى والأهم حفظ 600 من الصفحات , وفي هذه الحقبة التكوينية كان عليه أن يلعب مع رفاقه , اذ أن اللعب في هذه الحقبة من الحياة ضرورة جسدية ونفسية أيضا , حفظ القرآن عن ظهر قلب في هذه الفترة من الحياة يمثل ثقلا عقليا ونفسيا يصل الى درجة التعذيب النفسي , وما هي الفائدة من تحفيظ الطفل أشياء لايستطيع فهمها ,وبذلك تقديم الشكل على الفهم , وأين هي الفائدة من غرس مفاهيم التخويف والترغيب والترهيب في عقل طفل ,وبالتالي غرس مفاهيم الخضوع والخنوع للمستبد , وترسيخ ثقافة الطغيان والغلبة في المجتمع,من نتائج ذلك تثبيت روح العنف وثقافة المعاملة بالمثل وانتاج العقل الارهابي بما فيه نشر الدين بالسيف الذي قاد الى دخول دين الله أفواجا , وما هي فائدة الطفل من دخول الناس الى دين الله أفواجا ؟؟وهل ينمي التحفيظ مقدرة الطفل على ممارسة النقد وخاصة النقد الذاتي , وما هي علاقة التحفيظ ببناء العقل ؟ هل يساهم التحفيظ في تنمية العقل أو في قتل العقل , وهل يحتاج حافظ القرآن في فترة الطفولة الى عقل مرحلة الشباب والرجولة ؟؟؟ , فالعقل الذي يتمرن على الانصياع النقلي والترديد الآلي يتطبع به .
للتحفيظ مضامين متعددة , منها مضمون تقديس الماضي , ومحاولة نقله الى الحاضر , فالتحفيظ يروج لكمال مايعتبره البعض ناقص , وهل يسمح التحفيظ في هذه الفترة من الحياة لعقل الطفل أن ينتج بدائل لما حفظه ؟؟؟التحفيظ يعني التلقين, والتلقين والترديد الآلي مما حفظ ,فأنت تنحت في عقل الطفل المفاهيم المرتبطة بذلك, والمشتقة من ضرورة الحفظ بالحرف والحركة دون تغيير,االعقل الذي يتشكل على الانصياع النقلي, والترديد الآلي, يتطبع به, وهذا يسهل عليه نقل الأخبار والإشاعات وينشرها بلا نقد ولا تمحيص.
ااقتران التحفيظ بالعقاب (البدني والنفسي), يعني استخدام التخويف كوسيلة لإقناع الغير برؤية ما وإرغامهم عليها, (الخطاب الديني الحالي قائم أساساً على التخويف), هنا يتم غرس مفاهيم كارثية في النفوس ,منها الخضوع للمستبد القاسي والانصياع لطغيانه,وتكريس ثقافة الاستبداد وترسيخ ثقافة الطغيان, من جهة أخرى ممارسة تخويف الآخر لإرغامه على الخضوع والانصياع , مما يقوي روح العنف, وترسخ ثقافة الإرهاب, والتنشئة على التخويف المستمر تنتج العقل الإرهابي , الذي يعتقد بأن القوة والعنف والقتل طريق أقصر وأمثل لبلوغ الغايات, بما فيها نشر الدين .
ليس من المهم ان كان للتحفيظ أصل في الدين او لا أصل له في الدين , فمن أهم المشاكل التربوية والتدريسية في المدارس السورية هي مشكلة الحفظ والتحفيظ عن ظهر قلب , لقد تطورت أساليب التربية والتدريس في المدارس باتجاه تنمية التحليل بدلا من التنقيل , لا أشجب التحفيظ لكونه عادة اسلامية سيئة ,وانما لكونه مدمرا للعقل والنفس كأي تحفيظ آخر , وضرره على تكوين شخصية ناقدة دائم وعميق , ثم أنه لم تعد هناك أي حاجة للتحفيظ , فالثقافة والمعارف لم تعد “شفهية” كما كانت سابقا, والحفاظ عليها لم يعد من وظائف الذاكرة وانما من وظائف الورق والطباعة والآن من وظائف الكومبيوتر.
يحتاج المجتمع الذي يهمه التقدم لعقول تتطلع الى الأمام , وليس لرؤوس محشوة بثقافة الماضي ومليئة بما هو ضار حاليا ..تحفيظ القرآن للأطفال لايترك في عقل الطفل مساحة لشيئ آخر ..عقله قرآني شكلي خال من خاصة التحليل ومروج لتراثية قديمة لم تكن مثالية ,وعن اللغة وتقويم اللسان بالقرآن , أسأل ماهي حاجة المجتمع اليوم للغة القرآن ؟؟ هل يستطيع الرسول الآن قراءة جريدة وفهم مضمونها ,وهل باستطاعة مثقف اليوم فهم كل مايتعرف عليه بقراءة في القرآن ؟؟ التقويم تحول الى اعوجاج وغربة وبالتالي الى انعزالية ثقافية وموت ثقافي ,فالثقافة الحيوية هي التفاعلية والتي تأخذ وتعطي وبالتالي تدوم !
نعود الآن الى السيد الفيسوكي والى تضليله , لاوجود لمدارس تحفيظ القرآن في هولاندا , لأن الدولة الهولندية لاتعترف بمدارس تحفيظ القرآن ولا تمولها , ماهو موجود بهذا الخصوص هو عبارة عن غرف ملحقة بشكل غير قانوني بالمساجد وفي البيوت , وفي هذه الغرف يعمل المشايخ في التحفيظ ,لا تدفع الدولة الهولندية لهم أي أجور , أي أنه لاوجود رسمي لتلك المدارس التي تحدث عنها السيد الفيسبوكي , بخصوص الضرب تحدثت وسائل الاعلام الهولندية مؤخرا عن الاساءة الجسدية ل٤٩ طفلا, وقدمت التقارير الخاصة بذلك , وقد اعترف الشيخ محمد التمامي بواقعة الضرب , الا أن الضرب كان حسب رأيه قليل جدا وغير مبرح
انه من المخجل أن يتم نقل اخبار ومعلومات بعد تحريفها وتشويهها , وحتى في اوروبا احتكر الأعراب للأسف ممارسة كار الكذب والتلفيق
Post Views: 471