التطرف من طبيعة الدين …..
ممدوح بيطار :
التطرف مفهوم صعب التحديد , الا أنه بالرغم من ذلك يبقى قضية حياتية يومية متجذرة في التكوين الفكري والنفسي للفرد خاصة في هذه المنطقة , انه نسق فكري وظاهرة اجتماعية تتأثر قليلا بالظروف المحيطة بالانسان , الا أنها تؤثر الى حد كبير به , ذلك لأن التطرف بالدرجة الأولى ترجمة للقطعية , المنيعة على التأثير عليها , لا علاقة للتطرف بتوضع موقف ما في أقصى اليمين أو اليسار أو بينهما , أي مايسمى مايسمى اعتدال , فالقطعية مهما وكيف واينما توضعت هي تطرف بحد ذاتها , تترافق صعوبة التأثير على القطعية , مع سهولة تأثير القطعية على محيطها , لأنها صلبة مغلقة وعنيدة .
يتسم التطرف بما تتسم به القطعية , من حيث رفض او تقبل الغير لها , ومن حيث رفضها أو تقبلها للغير المختلف , بشكل عام , يمثل التطرف أي القطعية المواقف التي تتسم بالقطيعة النسبية في التفاعل مع المواقف الاجتماعية المختلفة , القطعية فقيرة التفاعل لأنها ترفض مبدئيا أي تغيير في قناعاتها , بالنتيجة تتحول الى الانعزال والسلبية مرغمة , يعبر التطرف عن ضعف او حتى انعدام التفاعل بلغة الصمت , يقود صمت الكلام أو لغة الصمت يقود الى العديد من التداعيات والاختلاطات , منها يقظة العنف كتداول بديل عن الكلام , لذلك تتميز القطعية أي التطرف بتلازمها في أغلب الحالات مع العنف وانفجاراته , القطعي لايتكلم , القطي يفرض او يفرض عليه تبعا لميزان القوى , التنكص الى ممارسة العنف هو أمر مألوف جدا , والعنف كما هو معروف لايقتصر على الجسدي انما يشمل النفسي والاقتصادي والاجتماعي وكل جولنب الحياة الأخرى .
التطرف هو دوغماتيكية أو قطعية بغض النظر عن توضع الموقف يمينا او يسارا او وسطيا , وبالدوغماتيكية تتحقق شروط التجمد العقلي -الفكري ثم الانغلاق والقوقعة والعزلة , وما يرافق العزلة من عدوانية واقصائية ,
عندما تتمثل الدوغماتيكية باليقين , بأن الموقف الذي تتبناه صحيح صحة مطلقة, وبأنه لاعلاقة لهذه الصحة بعامل المكان او الزمان , وبأن ثبات الموقف متعلق بالقدسية , التي لامساس بها , وبأن العقيدة هي مصدر كل المعارف والقوانين والتشريعات , وبأن كل مايحيد عن المعتقد كفر وضلال , ومن يتخذ موقفا مغايرا لمضامين العقيدة هو كافر أو مرتد , ويستحق بالتالي عقوبات تتراح بين الموت شنقا أو رجما أو رميا بالرصاص , عندها يتواجد الانسان في جوف الدين, وما عليه سوى التسكع في هذا الجوف بانتظار الفرج عن طريق الموت , وذلك للانتقال الى الحياة الأخرى , وما معنى كون الحياة الأخرى كذبة , عندها يمكن القول بأن هذا الانسان البائس خسر دنياه وآخرته .
التعصب هو ركن من أركان التطرف أو القطعية , لايمكن لمن يؤمن ويقدس الا أن يكون متعصبا للجهة والوجهة التي ينتمي اليها , المتعصب عدائي بطبيعته , كاره بطبيعته , المتعصب هو بطبيعة الحال متطرف نمطي ودوغماتيكي , لايتمكن من أن يكون غير ذلك ,حتى لو أراد !.
بما أن التطرف أي القطعية هو حالة انغلاق وجمود وتعطيل للقدرات العقلية , لذا فانه ليس من الممكن لهذا الانسان أن يبدع ويخترع وبالتالي يفقد مصدرا مهما جدا للدخل , المجتمعات الغنية هي المجتمعات التي تبتكر وتخترع وتسوق مخترعاتها , التي تدر عليها أكثر مما تدر الثروات الطبيعية بدرجات , لاحاجة لهذه المجتمعات بالبترول او الغاز او الحديد او الفحم , فاليابان لاتملك ثروات باطنية وألمانيا لاتملك ثروات باطنية بينما روسيا تملك ثروات باطنية والسعودية تملك في جوف الأرض كميات كبيرة من البترول , بالرغم من ذلك أين هي السعودية وأين هي ايران مقارنة مع المانيا أو اليابان آنيا , مستقبلا سيجف البترول , الا أن العقول لاتجف في بيئة منفتحة تحترم العقلانية .
يرغم الانغلاق وانسداد الأفق المؤسس على التعصب والقطعية والعدائية المتطرف القطعي المعطل عن مقدرة الابتكار والتجديد الى اللجوء الى جهة ما للاستناد والتعكز عليها , هنا ليس له الا الماضي , لذلك يحن الى الماضي ويحاول وراثته , وبذلك يعترف بعجزه واخصائه الحضاري , فلا هو قادر على صناعة المستقبل ولا هو من صنع الماضي , يعتبر مخلوق من هذا النوع ميت , انه جثة متحركة لا أكثر
هناك العديد من أشكل التطرف …مثل التطرف الفكري أو الذكوري ..الخ , لكن يبقى التطرف الديني أي القطعية الدينية مصدرا رئيسيا لكل أشكال القطعية والتطرف الأخرى , لمكافحة التطرف والقطعية لابد من تجفيف ينبوعها الرئيسي , الذي هو الدين , أي صراحة لابد من محاربة الدين …الذي يحارب نفسه أيضا بالتدين الشكلي الاستعراضي المنافق
Post Views: 1,060