ممدوح بيطار :
المسألة ليست في وقوف أي منا على خط يفصل بين الاعتدال والتطرف الديني , او حتى في التدين , بل بالأخذ بالدين كمصدر لقوانين الأرض, المشكلة في موقع الدين وفي حجمه الاجتماعي, عندما يملأ الدين المجتمع , كما هو حال الاسلام والمسلمين في هذه المنطقة , يغلق حيزا آخر به , ولا يعد هناك مجالا للتفاعل مع العوامل السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية الخ خارج اطاره,الدين الذي يتدخل في الحياة المدنية يتحول الى نقيض لها وضارا بها , خاصة عندما يتم تدخله بسلاح الثوابت والمقدسات الجامدة , والتي تدعونا وتطلب منا تخديمها , فالأصل في الدين خدمتة للانسان , وليس خدمة الانسان له.
ماذا يبقى من الدين عند تخليه عن ثوابته ؟؟ , اي عندما يتخلى عن مبادئه ويقبل تغييرها حسب الضرورات وحاجات الانسان ؟؟, لايبقى منه شيئ ! , هنا يلغي نفسه بنفسه , بعد ان تحول الى فائض لالزوم له في الحياة المدنية الاجتماعية , لايعني ذلك الغائه وحذفه من الحياة الخاصة ….ففي فضائه الخاص له كامل الحرية في أي ممارسة لاعلاقة لها بالشأن العام ولا تؤثر على الشأن العام.
لايملك الدين المقدرة على الغاء نفسه, لأنه لايقتدر على الغاء ثوابته التي يعتاش عليها ومنها , اي أنه لا اصلاح لما فقد صلاحيته بسبب الثوابت , ولا مجال لتحول الدين الى منظومة سياسية ديناميكية تطورية ,الدين الذي يملأ الحياة أو يريد ملأ الحياة , كما هو حال اسلام هذه المنطقة , لن يستمر سلميا سوى بالانزواء في فضاء المعابد , اقصاء الدين هو تحرير له , وأسره في الحياة المدنية هو تدمير له , غير ذلك هو تأزم ….الدين المتأزم يؤزم !,
عندما يمتلئ المجتمع بالدين , يتقدم الايمان على كل شيئ , لابل يصبح الايمان الاعتبار الوحيد , لامعنى للايمان سوى كونه حقيقة مصدرا العنف في الدين , الايمان في كل مجتمع امتلأ بالدين كان مصدرا رئيسيا للعنف , العنف هو اسلوب تداول ايمان مع ايمان آخر , الايمان يلغي لغة الاقناع , ويمارس أسلوب الفرض , يلغي العقل وموضوعيته ويلغي اقامة اي اعتبار للآخر , الايمان ترجمة لمفهوم اما قاتل او مقتول , وهل يمكن تحقيق صيغة اما قاتل او مقتول سوى بالعنف ,
عندما يمتلئ المجتمع بالدين , تختصر الهويات , لتتحول الى هوية واحدة مصدرها الدين او المذهب , عندها تصبح الهوية الدينية كل الهوية , الهوية الدينية ايمانية ومن حتمياتها محاولة الغاء الهويات الأخرى وخلق انسان واحد هو المؤمن باتجاه واحد , انها صناعة الانسان ذو البعد الواحد , الذي يلغي خاصة الخيار …وما هي فائدة الديموقراطية في هذه الحالة ؟؟؟؟وهل هناك في هذه الحالة من امكانية لغير الديكتاتورية …
