ممدوح بيطار :
دار نقاشا في سيريانو حول طه حسين , لذلك رأيت من الضروري تقديم ملخصا مكثفا جدا حول طه حسين , الذي نشر كتاب ” في الشعر الجاهلي ” عام 1926 ,عن منهجه في الكتاب قال حسين إنه” سيسلك المنهج الديكارتي في البحث ومن ثم فإنه سيتجرد من كل شيئ كان يعلمه من قبل وأنه سينسي عواطفه القومية والدينية ” , أضاف”لقد اقتنعت بنتائج البحث وأني مطمئن للكتاب حتي وإن أسخط قوما وشق علي آخرين.. .
احد معالم كتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي كانت قضية “الانتحال”, أي أن الشعر المذكور لايعود لمن نسب اليه من ما سمي شعراء الجاهلية , نظم الشعر بعد ولادة الاسلام , ثم حاول طه حسين الاجابة على السؤال من كتب هذا الشعر ولماذا ومتى , وهل امرؤ القيس حقيقة واقعية أو من صنع الخيال , استنتج بانه ليس لهذا الشعر علاقة مع الجاهلية .
أما لماذا تم التزوير , هنا يدعي طه حسين وجود اسباب دينية وسياسية وعصبوية , ثم ما هي قيمة هذا الادعاء ؟, هنا يقول الفقهاء والمعارضين لطه حسين , ان انكار الشعر الجاهلي هو بمثابة انكار للقرآن , هنا أصبح للاشكالية جحما تجاوز موضوع الشعر والشعراء , انه انكار للقرآن , الذي يعتبره المسلمون معجزة مقدسة .. , لم تقتصر اشكالية طه حسئين على أمر خرافة الشعر الجاهلي وتزوير زمن صياغته , التهمة الأكبر كانت بخصوص ادعائه بعدم امكانية اتخاذ القرآن مرجعا علميا , لأن العلوم متغيرة ومتطورة , بينما القرآن ثابت لايتغير , اضافة الى كل ذلك كان تشكيك طه حسين بوجود بعض الأنبياء مثل ابراهيم واسماعيل …الخ, ثم لاننسى اعلان طه حسين عن التزامه بالديكارتية وما يعرف عن علمانيته ومصريته وحتى زوجته … اذن الاشكالية متعددة المحاور والوجوه .
نتيجة لكل ذلك تمت محاكمة طه حسين ظاهريا بسبب الكتاب , الا أن هجوم الأزهر وهجوم رجال الدين على طه حسين كان برسم تصفية حساب عسير , ذوعلاقة بالكتاب وبما هو معروف عن توجهات طه حسين ومواقفه بخصوص أمور لم يتطرق الكتاب اليها , انه مرتد عن الاسلام ! , لذلك يجب قتله شنقا , مارس ازدراء الدين وكفر بالمعتقدات لذلك يجب اعدامه , فطه حسين مرتد وعقوبة الردة معروفة , ثم انه رفض تقديس أحد , ولم يكن هناك بالنسبة له ماهو فوق النقد , الكل خاضعون للتغيير والتطوير , حوكم طه حسين وتمت تبرئته.
تقمصت المشكلة مع طه حسين , بشكل مشكلة في الحاضر مع نصر حامد ابو زيد ومع فرج فودة والسيد القمني وغيرهم , وتقمصت المشكلة مع مشايخ ذلك الزمن بشكل مشكلة مع مشايخ هذا العصر , ومع الأزهر أيضا ومع السلفية في مصر وخارجها , لقد كان طه حسين علماني ديكارتي ابن رشدي , فما هي الديكارتية ؟
تقوم الديكارتية على منهج الشك , وفي الاعتماد على العقل وعلى البداهة والاستنباط , وبذلك تضع الديكارتية نفسها في حالة ضدية مع الفكر الاسلامي القرآني, يتضمن القرآن عددا كبيرا من الآيات التي تحاول نسف مفهوم الشك , وتعتبر الشك مبدءا فاسدا , فالشك قرآنيا من صفات الكفار , في اعلان طه حسين التزامه بالشك ,دلالة على عدم التزامه بالقرآن , وهنا تكمن المشكلة الدينية مع طه حسين , مشكلة لاتنحصر في تقييم الشعر الجاهلي وفي الموقف تجاه قصة ابراهيم وغيره من الأنبياء , انها أعمق من كل ذلك بدرجات ,
لم يقتصر صدام طه حسين على المؤسسة الدينية القرآنية , انما تعدى ذلك الى المؤسسة العروبية , فطه حسين كان مصريا قطريا وتعارض , كليا مع فكر عفلق والارسوزي وغيرهم من العروبيين , اتهم العرب بانهم استبدوا بمصر , وحول عروبة مصر وضع العديد من علامات الاستفهام , لم يفكر طه حسين كما فكر ساطع الحصري بكون العربي هو من يتكلم العربية , أو كما فكر عفلق عن كون العروبة اسلام والاسلام عروبة عروبة.
لم يواجه صه حسين الأزهر ومشايخه فقط , انما واجه العروبيين أيضا, ففي كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” أكد بأن مصر ليست جزءا من الشرق , لابالمفهوم الجغرافي ولا بالمفهوم الثقافي , مصر تنتمي الى حضارة حوض المتوسط ,ونهوض مصر الثقافي مرتبط بجذورها الفرعونية وشخصيتها المصرية القومية , والتي مثل الاسلام قشرتها الخارجية فقط , لقد فقد طه حسين البصر وكانت زوجته بمثابة عينه , الا أنه امتلك الكثير من البصيرة ..
