ممدوح بيطار :
يتعرض كل طرح وكل نقاش الى مداخلات لها صفات مميزة , تتعلق بالتمحور حول الدين , وبرؤية كل أمور الحياة من منظور ديني , ثم تقييم الشاردة والواردة على أساس الشعور بالعداء للاسلام ,والحقد على الاسلام , ومحاولة سلب المؤمن دينه وابعاده عن دينه , وحتى الادعاء بعدم وجود ذكر للثقافة والمثقف في الأدبيات الاسلامية أو عدم وجود ذكر للوطن والمواطنة في الثقافة الاسلامية ,أو مفهوم الحب في هذه الأدبيات , يعتبر هجوما على الدين , مع العلم بأنه لايمكن أن يتواجد مفهوم الوطن في التراث قبل ١٤٠٠ , على العكس من ذلك مفهوم الحب , الذي تعرفه البشرية منذ أن وجدت ,يشعرون وكأنهم متهمون , مع أن مايقال لايمت للاتهام بصلة .
بداية أريد التنويه الى أن مفهوم الازدراء والتحقير مطاط هلامي مبهم ,ولا يتضمن نقد الدين فقط , انما يمكن تطبيقه على طيف واسع جدا من الممارسات, لايمكن في هذا العصر تجريم النقد عن طريق اعتباره ازدراء , ولا يجوز ايضا ارسال اسلام بحيري وفاطمة ناعوت وحتى طه حسين الى السجن او المشتقة بتهمة الازدراء , خاصة وأن من يحاكم ويحكم ويسجن ويطلق نصر حامد ابو زيد ويهدد السيد القمني بالقتل …الخ , هم فئة تمارس التحقير والازدراء بامتياز … ازدراء وتحقير وتهديد في خطب الجمعة , ازدراء في التكفير , وحتى اطلاق اسم نصارى على المسيحيين هو تحقير , تسمية كنيسة القيامة باسم كنيسة القمامة هو تحقير أيضا القول بأن المسيج لم يصلب , انما هيئ لهم منتهى التحقير للرسالة المسيحية المؤسسة على الفداء ورمزية الصلب , نقد تعدد الزوجات ونقد الولاء والبراء ثم العنف والارهاب والتكفير وغيرهم من الممارسات هم اشياء اخرى لاتمت للازدراء والتحقير بأي صلة.
تعود ضرورة النقد , التي تسمى ازدراء , الى العديد من العوامل , منها عدم قناعة الناقد بوجود المقدسات , وعدم قناعته بوجود الثوابت , وعدم قناعته بكون المذهب دين ودولة , تهمة الازدراء بخصوص نقد الفكر الديني ليست سوى ردة فعل , تتكرر يوميا بنفس النمطية ونفس الخلفية ونفس الهدف …نقول احيانا ان المسبب لردة الفعل هو الحساسية المفرطة …أو غير ذلك من التفسيرات الشعبية , الا أن ألامر ليس شعبي وليس ساذج أو هامشي بهذا الشكل الذي يراه البعض , القذف بتهمة الازدراء في وجه الغير ليس سوى تجسيد لحالة مرضية تسمى ” الهوس الديني” , الذي يتصف بالعديد من المظاهر , منها الارتكاس بزيادة مفرطة في الشعور بواجب الدفاع عن الدين , الذي يمثل غايتهم ومضمون حياتهم , وكأن الدين هدف ومصير , ثم بالارتفاع الشديد في الاصرار على الانصياع لمبدأ تحريم التعرض للمقدسات , التي يعلنوا عن قوائمها حسب الحاجة والضرورة , او الخوف المفرط على حياة المصاب بالهوس الديني , وخاصة الخوف على مستقبله في الحياة الأخرى ,
انتشار مايسمى بالتدين العشوائي , يجعل التفريق بين المظاهر الدينية العادية , وبين مظاهر الهوس الديني بمنتهى الصعوبة ’ التدين العشوائي يعني التمسك بالقشر دون اللب , وبالمظهر دون الجوهر , وبالطقوس بدون ناموس , التدين العشوائي هو نتيجية لانتشار الخطاب الديني العشوائي , كل شيخ على “كيفو” يفتي كما يشاء !!!! , وبخصوص العلم هناك عالم الذرة الذي يتحدث عن علم الذرة بمستوى علمي عالمي , وهناك علم ذرة زغلول النجار , الذي لايفرق كثيرا بين كسر الجرة وشطر الذرة.
يتصف الهوس بكونه ادراك باحدى الحواس , دون وجود مسبب واضح لهذا الادراك , كادراك وجود ازدراء الأديان , دون ازدراء ,وماهو مضمون مفهوم ازدراء الدين ؟, , أو الشعور بالحقد دون وجوده , أو الكره دون وجوده , أحد الخواص النفسية تشجيعا لتكوين هذه المشاعر هي ضالة “العظمة” , لأن ضالة “العظمة” لاتسمح للقزم تقبل القول بأنه صغير, الشعور بالعظمة هم الدافع الى تصنيف أي نقد أو حتى تنويه لأي ضعف على أنه باطل , وبالتالي مصدره تشوه في شخصية الناقد , لذلك فالناقد حاقد وكاره , والعظيم عظيم أو مقدس وبالتالي غير خاضع للنقد وعظمته لاتخضع للشك .
الرسالة “عظيمة” والدين “عظيم ” , للعديد من الاسباب, منها كون الله مسلم , لاهو مسيحي ولا يهودي ولا قرباطي , العظمة لاتتقبل النقد , انها فوق النقد , انها أعظم من أن تنقد , لذلك تشعر العظمة بالاضطهاد بمجرد القول ما أحلى الكحل بعينها , العظمة كاملة الأوصاف وترجمة للكمال , لذلك فان من يتعرض لها , هو عادة متآمر مع المخابرات الصهيونية وعميل للشر الأكبر أمريكا , لايعقل أن يكون كلام الناقد صحيحا , انه افتراء ودجل وكذب حتى قبل التعرف عليه , العظمة هي شعور معظمه تصوري , يتصورون بأن الصفحات ٦٠٠ من القرآن تتضمن كل شيئ عن الحياة الدنيا والأخرى .. كامل متكامل … فلسقة اجتماعية وعلمية صالحة لكل زمان زمكان , والانسانية ليست بحاجة لأكثر من هذه الصفحات .
العدائية التي يمارسها شخص ضد شخص آخر بدون سبب شخصي هي عدائية مرضية , وهي أحد أهم تمظهرات الهوس الديني , تتشكل عادة في اطار مايسمى الفعل الجماعي , الذي يقسم المسؤولية عن الفعلة على المنفذ وهو الارهابي , وبين خلفيته التي تعتبر الفاعلة الحقيقية والتي تتحمل معظم المسؤولية الارهابية , كل ذلك يتم في اطار تدجين وتنشأة مايسمى “المسلم الأعلى “, , والمثال على ذلك قاتل فرج فودة وقاتل ناهض الحتر وبدون سببا شخصيا , لايعود الاضطراب في هذه الحالة الى الشخص الذي تحول الى مسلما أعلى , وانما الى الخلفية , وهذه الخلفية تعود الى النص وما يفرضه هذا النص , وكيف يتمكن النص من تبرئة نفسه عن طريق الأوجه المتعددة (حمال أوجه ) ,. نص للقسوة ونص للشفقة ولكل مايريد.
تعود العدوانية جزئيا الىمفهوم خير أمة , لايتقبل غير المسلم اصرار المسلم عل انه خيرا منه , ولا يتقبل المسلم النزول الى مستوى الآخر , من هنا فان العداء مبرمج وحتمي , كل محاولة من قبل الآخر بقصد الغاء هذا الاستعلاء تفسر بانها اعتداء , لذلك يعتبر الآخر تلقائيا عدو , انه عدو بطبيعتة الغير مسلمة , لأن غير المسلم كافر وعلى المسلم قتاله وقتله ان وجب أو أمكن,
يتميز “الهوس الديني” الذي بالتمركز المطلق حول الدين , ثم تقبل استلاب الدين لشخصيته وتعطيل الدين لعقله , والالتباس حول مقام ومهمة الدين , هل الدين غاية أو وسيلة , وهل يحيى الانسان بالدين أو أن الدين يحيى بالانسان ؟,
