يتميز هذا العصر في هذه المنطقة بالانفلات , الذي يتناسب طردا مع غياب الدولة ومؤسساتها , انفلات يتناسب طردا مع المجاهرة بالعداء لمفهوم الوطن السوري , لمصلحة الوطن أو الكيان الاسلامي , فالحال مع الاسلاميين لم يتغير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى , تخاصم الاسلاميون مع القوميين بخصوص الوجود العثماني , الذي كان مرحبا به من قبل الاسلاميين , الذين طالبوا بالاستكانة للعثمانيين , بالنهاية انتصر القوميون على الاسلاميين وتم بواسطة الحلفاء ترحيل الخلافة عن هذه البلاد , ثم الغاء الخلافة فيما بعد .
لم يكن انتصار القوميين وهزيمة الاسلاميين نهاية المطاف , موت الخلافة تمخض عن ولادة حركة , ارادت اعادة احياء هذه الخلافة , وهكذا ولدت حركة الاخوان المسلمين عام ١٩٢٨ , التي لاتزال تعمل لحد الآن على الغاء الأوطان القطرية القومية واقامة الخلافة الاسلامية مكانها , ماذا كانت نتيجة هذه الجهود في القرن الأخير ؟
لقد نجح الاسلاميون وفشلوا في آن واحد , نجحوا في افشال الدولة القومية , التي اعاقت قيام دولة الخلافة الاسلامية , الا أنهم فشلوا في اقامة الدولة الاسلامية , وبذلك تحولوا الى قطعان هائمة …قطعان “مشاع” بدون انتماء وهوية , فلا دولة اسلامية ولا دولة قومية , لكنهم لم يستسلموا لحد الآن , ولايزالون على العهد يا ولاء وبراء يا خائن الأوطان …الخلافة ستعود باذن الله , ومعظم ما تتطلبه هذه الخلافة موجود …هناك الخليفة اردوغان , وهناك في بلاد اردوغان من أراد الخلافة ايضا كأوغلو , وهناك قطعان خونة الأوطان , قطعان متحفزة للمشاركة في أي عملية هدفها اعادة سوريا الى الحضن العثماني , حتى لو تضمنت محاولة من هذا النوع اعطاء تركيا أجزاء من سوريا ,….قالوها صراحة ! , وعبروا عنها في بيان حركة الاخوان المسلمين في سوريا, عبروا عنها شخصيا ايضا كما فعل بعض السادة المطرودين من سيريانو , من الذي القوا اللوم على الحلفاء , الذين انتزعوا سوريا من حضن كيان ام عثمان , أي أننا تيتمنا بعد فقدان أم عثمان ….يالها من كارثة !!,
لاعلاقة مباشرة لنا مع ارادة وادارة اردوغان , وتصوراته ,التي عبر عنها بالقول ان تركيا تشعر بالضيق ضمن ٨٨٥ الف كم٢ , ولا بد من التوسع , تيمنا بنظريات هتلر الرامية الى اقتناص مكانا مناسبا للآرية تحت هذه الشمس, هؤلاء بالنسبة لبعض السوريين غرباء , والعلاقة معهم تحددها المصلحة , الا أنهم بالنسبة لآخرين من منتحلي الجنسية والمواطنة السوري , ليسوا غرباء , انهم اخوان في الدين , وهذه الأخوة مفروضة من مبدأ الولاء والبراء , أي من مبدأ شرعية خيانة الوطن , فالولاء والبراء لايعترف بحدود الوطن الجغرافية , وطن الولاء والبراء ديموغرافي , الاسلام السياسي هو المؤسس لنوع مواز من المواطنة …مواطنة اسلامية ديموغرافية موازية لمواطنة قومية جغرافية ,
يستغل البعض في هذه البلاد الفراغ القضائي , وحالة الفلتان التي تعيش بها سوريا , للمجاهرة بما هو معروف عنهم ومنهم , فهؤلاء يفتقرون الى امكانية الادراك, من الصعب عليهم تصور وادراك دولة وقانون في سوريا , لأن تطبيق قانون العقوبات الحالي في سوريا سيجرجرهم الى المحاكم بتهمة الخيانة العظمى , فمن يروج لاحتلال الأجنبي للوطن أو أجزاء منه , أو يعمل مع أجنبي من أجل المساس بحصانة الدولة جغرافيا او بشريا , هو بحكم القانون خائن ,وبحكم تعريف المواطنة خائن ايضا , مثل أولئك الذين رافقوا جيش محمد الاردوغاني في غزوة الشمال السوري , ومن ساهم مع الجيش التركي في اخضاع أجزاء من سوريا لسيطرة الدولة التركية , الأمر ليس وجهة نظر , فالخيانة ليست وجهة نظر !.
لاشك بأن سوريا ستعود لتصبح دولة قانون , ولا شك بأنه سيوجد في سوريا قضاء وقانون ومحاسبة , قد يطول الأمر أكثر مما يتوقع البعض ,من ناحية أخرى يمكن القول بأن أمر حماية الدولة لايقتصر على أجهزة الدولة التنفيذية أو القضائية , فللمجتمع دورا مهما في هذا الخصوص , أي أن المجتمع يقتص ويحاكم ويحكم وينفذ العقوبات التي يراها ضرورية بشأن من الشؤون , مثلا الخيانة , المجتمع يعزل الحثالة الخائنة ويحتقرها وينبذها , المجتمع يمارس مايسمى مجازا الاعدام الاجتماعي , وقد لايكتفي المجتمع بذلك , انما يطور ماذكر من العقوبات السلمية الى ممارسات مغايرة , قد تتطور الى استخدام العنف , فالاخوان يقتلون الكافر بحكم ديني لايمت للقضاء المدني بأي صلة , ولا عجب من تطور العقوبة الاجتماعية الى العنف والى قتل الخائن بناء على حكم اجتماعي -مدني لايمت للقضاء الرسمي بأي صلة ,الأمثلة على هذا التطور أكثر من أن تعد .
هناك في سوريا العديد من الفئات والأحزاب والجماعات , التي لاتمارس الآن مايسمى الاقتصاص الاجتماعي الشعبي ,لاوجود في هذه الفئات الآن ذبيحة , الا أن الأمر مفتوح لكل تطور , ولا يمكن نفي امكانية التطور الى العنف تجاه الاخوان وتجاه الخونة , يبدو وكأن المسألة ليست الا مسألة وقت , لا ضمان لسلامة الاخونجية , ولا وجود لمنطق يرى ضرورة حمايتهم…
