سمير صادق:
لقد تغير شكل الدعوة للالتحاق بعصابة ابو شحاطة , ولكن لاحياة لمن تنادي , وذلك بالرغم من الجوائز المعنوية , كطربط الالتحاق بالبطولة والشرف والنصر , ثم الجوائز المادية كالحصول على امتياز التعفيش , ثم الترهيب بالعقوبات العملاقة في حال التملص من الالتحاق بالخدمة العسكرية , الى ان وصل أمر الابتزاز الى مستوى الاعدام الاقتصادي, أي تفليس المدو للخدمة وتفليس عائلته , كل ذلك لم يدفع المسؤولين على طرح السؤال عن دوافع الفرار من الخدمة الالزامية , وعن دوافع التملص من الخدمة في الجيش , وعن مسببات الاستنكاف عن الانخراط في هذا الجيش .
اصطياد الشباب لارسالهم الى أتون الحرب كان عملا قامت به الأسدية سابقا , وبشيئ من النجاح , كنجاح العثمانيين تقريبا , ففي سفر برلك العثماني كان مجرد القبض على من سمي “فراري” يعني ذهاب الى الحرب بدون رجعة , والأمر كان مشابها في السنوات الماضية , يقال بأن عدد القتلى من افراد الجيش بلغ ٥٠٠ الف شاب , طبعا الرقم ليس دقيق وهو تقديري , الا أن فراغ القرى العلوية من الذكور وكثرة الأرامل , يدل على أن عدد قتلى جيش ابو شحاطة كان كبيرا جدا , وأكبر مما يتصور البعض .
الآن على الميسور ماديا من شباب الموت أن ينزف ماديا بالملايين , لكي لايتم تكبيله بالسلاسل وشحنه الى المحرقة … فعلا نجاح النظام مبهر أكثر من نجاح السلطة العثمانية في موضوع سفر برلك , كل ذلك لايلغي السؤال عن دوافع التمنع والاستنكاف وعن قضية الجيش بشكل مبدئي وعام , هل هناك حاجة الى جيش يستهلك ٨٠٪ من الميزانية العامة , وماذا قدم هذا الجيش بعد عام ١٩٤٦ ولحد اليوم ؟؟ ثم السؤال عن مدى أحقية أي سلطة في ارغام الناس على الموت جسديا او ماديا في سبيل قضية لايعتبرونها قضيتهم , فهل من حق أي سلطة تجنيد الناس واعطائم الأمر بقتل غيرهم , وماذا يفعل من لايقوى نفسيا على قتل غيره ؟؟؟ هل من المفيد حيونة الانسان أولا ثم ارساله للقتل , وما هي القيمة الأخلاقية لفرد تحول الى قاتل , وهل يوجد قتل حضاري مهذب ,وحلال على مستوى الفرد ؟؟ وهل يمكن لذو عقل تصور الالتحاق في كتائب الأسد بكونه طوعي , أين هي الطوعية عندما يستخدم النظام الترهيب والعقوبة الضارية كاقتياد الناس بالسلاسل الى الحرب , أو الى الدفع كما يحصل لحد الآن .
لاتستقيم الطوعية مع الترهيب ولاتستقيم مع الأكاذيب , ثم أين هو الشرف والبطولة في تقتيل الناس , ناهيكم عن خدعة النصر ومعكوسية مدلوله , فهل تقتيل أبناء الوطن “انتصار ” ومن هو المنتصر في هذه الحالة ؟ هل هو القاتل أم هو المقتول؟
من الشعارات المبتذلة التي استخدمت لتشجيع الشباب وارغامهم على الالتحاق بالحرب شعار «لا تقعد تندب متل النسوان، المتخلف عن حماية بلده وعم يفكر بالهرب، متل اللي بيترك أمه بين إيدين وحوش عم تُغتصب، خليك رجَّال .. ودافع عن بلدك وعرضك», وماذا عن التشبيه التحقيري “بالنسوان” , ثم عن الاعتراف بمحاولة الهرب , لماذا يفكر الشاب بالهرب ؟ هل يفكر بالهرب لأنه يؤيد الأسدية أم انه يحاول الهرب لأنه يعارض الأسدية ؟ أو على الأقل لايريد المشاركة في حروبها.
للنذالة أشكال غير مسبوقة ,سابقا والآن يتم استنزاف الانسان السوري ماديا ومعنويا من قبل دوائر التجنيد , وذلك لتأخير الالحاق بالعصابة المسلحة لعدة اشهر , وبكل تأجيل يتم الدفع, يقال الآن على أن ضباط التجنيد تحولوا الى أثرياء من ذوي المليارات …. كل ذلك باستثناء اقرباء العائلة والزبانية المقربة من العائلة , هؤلاء لايخدمون ولا يستشهدون ولا يدفعون , انما يدفع لهم
الشاب الذي يتهرب من الخدمة العسكرية الالزامية ويرفضها , هو “مستنكف” تعريفا, أي أنه رافض لمطلب الخدمة الالزامية , والاستنكاف هنا هو استنكاف “ضميري”, والاستنكاف الضميري يخضع الى أحكام حرية الضمير , بالمقابل هناك الواجب العسكري الذي ينتهك حرية الضمير عند من لايريد المشاركة في الخدمة العسكرية الالزامية وبذلك يعرض حياته وحياة اللآخرين للمخاطر ,
كلما ترقت الشعوب توسع فضاء الاستنكاف , وكلما تدنت الشعوب حضاريا توسع فضاء الالزام , وبما يخص الجيش السوري, ولكي لايمتعض العروبيون نقول الجيش العربي السوري , فهذا الجيش كما يبدو من مراجعة تاريخه لايمت للاسم المطلق عليه بصلة , فلا هو “بجيش”لكون ضباطه رجال سمسرة وبراطيل ومقاولات , ثم أن عروبة هذا الجيش منفية بشكل مطلق , ولا يعقل أن يكون جيش سوري لأنه لم يدافع عن سوريا وانما عن المنظومة العائلية الطائفية , وهذا سبب اضافي للاستنكاف , فكتائب الأسد موزعة بدقة بين ديكورات سنية وبين الطائفة والعائلة , حصة السنة من الديكورات مثلاوزير الدفاع ومدير الاستخبارات العامة ورئيس الأركان وقائد القوى الجوية …ولنذكر من الماضي القريب مصطفى طلاس وحكمت الشهابي وناجي جميل وعدنان دباغ وبشير النجار وغيرهم , وما تبقى توزعوا على عشيرة الكلبية وعشيرة أنيسة أم باسل (الحدادين ), مثل رفعت الأسد وعدنان الأسد وغازي كنعان وعلي حيدر ومحمد ناصيف , ومن الحدادين عدنان مخلوف ومحمد مخلوف ومحمد الخولي ومن الخياطين ابراهيم الصافي وأحمد صالح وعبد الكريم رزوق وعلي اصلان وعدنان بدر حسن ومن المتاورة علي دوبا وعلي الصالح وعلي حبيب
من كل ماذكر أجد بأن الاستنكاف الضميري ورفض التجنيد الالزامي هو من أهم وأنبل مايمكن للسوري أن يقدمه الى وطنه سوريا , الالتحاق بكتائب الأسد هو بمثابة خيانة للوطن فالكتائب الأسدية كانت أول من قصف كل المدن السورية تقريبا بالطائرات والمدفعية والصواريخ , فحلب لم تعرف في تاريخها قصفا جويا ودير الزور كذلك وبقية المدن السورية أيضا , ليس من واجب الانسان السوري أن يشارك في عملية اغتيال وطنه , وما يقال عن واجب الوطنية والبطولة والشرف ليس الا تدجيل من النوع الثقيل
