ممدوح بيطار :
لايتعلق تطور الانسان بالدرجة الأولى , وفي معظم الحالات بارادته , وانما بظروف حياته , التي تمليها عليه البيئة والطبيعة بشكل رئيسي , عند الشعوب المعرضة لها , فالبدوي تواجد صدفة , وليس بخياره وارادته في الصحراء , توازن القوى في تفاعله مع الصحراء , هو لصالح الصحراء منطقيا , وليس له بالتالي الا تغيير نفسه لكي يتأقلم مع أوضاع بيئوية , لاسبيل له الى تغييرها, لذا تزاوجت عند البدوي شمائل كحماية من يلجأ اليه وغير ذلك من الخواص الجيدة , مع رذائل منها الفظاظة والتوحش والغلو بالدين ثم الاعتماد على الغزو والنهب , فالصحراء لاتقدم سبلا لممارسة الزراعة التي تصقل العقل والعضل بخواص الانتاج والعيش من المنتج , ثم الى التفاخر بالحسب والنسب , وللنظرة الدونية للمرأة , التي لاتتمكن من ممارسة السطو على القوافل التجارية ونهبها كالرجل, هناك الثأر كبديل رادع عن العقوبة وعن القضاء , اذ أن التأسيس لقضاء عادل يتطلب وجود الانصياع لهذا القضاء العادل , والذي يتضارب مع كينونة زعيم القبيلة , الذي هو كل شيئ …كقاضي ايضا , قاض متحيز عصبويا الى نفسه وقبيلته بشكل مطلق .
نظرا لعدم وجود مصدرا آخر للرزق في الصحراء كالزراعة , اصبح السطو والنهب مصدرا للعيش , والسطو يتطلب رجالا أشداء في ممارسة الحروب , والحرب تعني قتال واقتتال , لذلك فان مهنة البدوي هي القتال والقتل وممارسة الحروب , وعندما لايجد البدوي عدوا خارجيا له يتحارب داخليا ويتقاتل ذاتيا, الشغف بالقتال كان ولا يزال من أبرز معالم الشخصية العربية بدينها الجديد , التي لم تعرف في الدين الجديد وقبل الدين الجديد أكثر من ممارسة الحروب .
لا تشترط البدوية لبس الجلابية , فهناك عقليات بدوية عند الذين يرتدون البدلة الرسمية , الأمر هو أمر العقلية وليس أمر الكسوة الخارجية ,البدلة ممكنة في المدينة والبقاء في العقلية البدوية ممكن أيضا في المدينة ,
العقل البدوي مريح من ناحية , لأنه لايتطلب بذل جهدا للتطوير , والتطوير عسير بدون التفاعل والاحتكاك مع الغير , وكيف يمكن للثقافة الشفهية أن تؤمن هذا الاحتكاك ؟؟؟, الا نلاحظ جميعا نفور العربي , الذي لايزال بدويا , من التعرف على ماهو جديد مثلا عن طريق القراءة , والقراءة ان وجدت فهي قراءة لحفظ بعض الآيات وترديدها ببغائيا , العربي يقرأ بعض الصفحات سنويا , والاسرائيلي يقرا بحدود ٥٠ كتابا سنويا , عدد الكتب التي تنشر في العالم العربي سنويا أقل بدرجات من عدد الكتب التي تنشر في اسرائيل , شعوبنا شفهية , والشفهية متمكنة من عقول الناس وادراكهم , لذلك نميل الى سماع الخطب والمواعظ كخطب المشايخ والى التلفيزيونات ,والى ممارسة ثقافة “الاشاعة” التي تنتقل من شخص لآخر , كالنار في الهشيم .
للثقافه الشفهية البدوية علاقة وثيقة مع ممارسة العقل لوظائفه ومهماته , اعتماد العقل على الثقافة الشفهية يحوله الى عقل على قدر كبير من المقدرة على تحمل الاعوجاج باستسلامية مميزة ومذهلة ,لايتمكن العقل المستسلم من التعرف على الهمجية وبالأخص على معالجتها , ولايتمكن من ادراك الفوضى والتمكن من ازالتها , ولا الى تحول أفراد المدينة الى افراد مجتمع وليس الى قطيع من مجتمع الأفراد , ثم الى ثقافة الاعتماد على الفرد , ثقافة “بطل الأمة” … الى البطل والبطولات الفردية وتمجيدها واعتبارها معيارا للتفوق وضرورة لانقاذ الجماعة من أي مكروه , مع اهمال واضح لدور المجتمع , فالبطولة خاصة اجتماعية وليست فردية , واذا كانت هناك بطولة , فالمجتمع هو البطل وليس الفرد ,لابطولة ولا أبطال في ديارنا , ولا تستقيم البطولة مع فشلنا ..
الاعتناء بالفرد وبطولته كان سببا رئيسيا من أسباب تشجيع قادة الجيوش الاسلامية على البذل في سبيل الشر الفتوحي , لقد كان لكل منهم مدينة يحكمها , فهؤلاء اقتسموا غنائم الحرب مع الخلافة التي كان الخمس من نصيبها , ومن يتعرف على كتاب ادارة التوحش لأبي بكر ناجي يجد شرحا موسعا حول فهم داعش لموضوع المحاربين ورواتبهم وحصصهم من السبايا والغنائم , لذلك تمركز اهتمام داعش في البدء على السيطرة على موارد الرزق والمال (البترول) , وذلك للتمكن من اعطاء كل محارب راتبا شهريا يقال بأنه بلغ ١٠٠٠ دولار , اضافة الى مسكن له ولعائلته ونسائه , ……التاريخ أعاد نفسه واستمر مرحليا بداعش.
بقي الانسان العربي فردا أو أفرادا يعيشون الى جانب بعضهم البعض , وليس مع بعضهم البعض , وهذا هو أحد أهم أسباب الفشل العربي , الذي جسده فشل داعش , فشل العرب هو بشكل عام ترجمة لفشل البداوة , فنحن في هذه البلاد الخضراء بدو بدون صحراء!, وهذه هي المفارقة المؤلمة !