اغتصاب المرأة وذكورية المجتمع الأبوي ..
ممدوح بيطار :
بمناسبة اليوم العالمي للتحرر من الرق (٢-١٢)
هل يقف المجتمع الذكوري الأبوي مكتوف الأيدي أزاء تزايد تآكل واضمحلال امتيازاته بفعل التطور المنطقي والطبيعي للحياة, وبفعل البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الجديدة , التي ساوت بين المرأة والرجل في المجتمعات الديموقراطية والصناعية الحديثة , خاصة بعد الحرب العالمية الثانية , فبدون جهد كبير وبدون ارتجاجات واعتراضات تمكنت هذه المجتمعات من تحقيق المساواة , الأمر لم يكن عسيرا في كل بقاع العالم باستثناء المجتمعات العربية الرافضة لأي تغيير أو تطوير لمنظومة المجتمع الأبوي الذكوري .
لاشك بوجود تطور ايجابي بطيئ جدا في بلادنا باتجاه التعامل مع المرأة ,على أنها فرد كغيرها في المجتمع , هذا التطور كان شبه قسري في معظم الحالات , ودائما منقوص بسبب مقاومة التيار الذكوري الشرثة (رجال الدين ) , وأي تطور ايجابي في هذا الخصوص خضع الى عامل الاعاقة والتعطيل من قبل التيار المذكور , بحيث يمكن التحدث فقط عن نهضة هزيلة أو تقدم “معاق” .
لم ولن تقف الذكورية مكتوفة الأيدي أزاء التهديد المتزايد لمكانتها وهيمنتها وسلطتها , فالمرأة اخترقت العديد من المجالات التي كانت حصرا ذكورية , والمرأة العاملة لم تعد تقبل وصاية الرجل المادية , الذكر الفحل يشعر في هذه الحالة باذلال متزايد وانتهاكا لسلطته وسلطانه , ارتكاسا على ذلك حاول , ويحاول استعادة ماخسره من مراكز النفوذ في الأسرة والمجتمع ,احتدمت المعركة , خاصة بعد تزايد استقلال المرأة , ليشمل الاستقلال الناحية الجنسية أيضا , فلها حاجاتها الجنسية وله حاجاته أيضا , والمتعة أو اللذة يجب أن تكون مشتركة , وفي اطار حب حقيقي , اذ لامجال لاغتصاب المرأة المتنورة جنسيا , ومتطلب اللذة والمتعة ليس حصرا ذكوري , المطالبة بالشراكة جنسيا تحرج الرجل المدمن على الاغتصاب , والذي لايعترف بحاجات المرأة الجنسية , المرأة بالنسبة له أداة نكاح يستخدمها متى يريد وكيفما يريد , وما لها الا تلبية رغباته واشباع غرائزه , يساعده في هذا الموقف الخصامي والعدائي والاحتقاري للمرأة موقف الدين خاصة شرعنة تعدد الزوجات , فان لم تنسجم الأولى معه يحلف عليها بالطلاق بالثلاثة ويعيدها مطلقة الى ذويها , ويأتي بالثانية أو الثالثة , والاتيان بالثانية لايشترط الطلاق من الأولى وحتى لايشترط اعلام الأولى بمسعى الزواج من امرأة ثانية , كل ذلك يدل على هشاشة وضع المرأة وضعفه مقارنة مع وضع الذكر الفحولي .
لاتقف المرأة وحيدة في مجابهة الذكورية في الشرق العربي , فقد تمكنت بعض الدول مثل تونس من صياغة دساتير وضعية تنصف المرأة ولو جزئيا ومعنويا ورمزيا , , مقابل حلف الذكور مع الدين , هناك حلف المرأة مع القوانين الوضعية , خاصة في الجمهوريات , هذا الحلف ,على الرغم من ضعف مكونه النسائي ومكونه القانوني , أحرج الذكورية وأحرج الفقه الذكوري معه , ودفعهم الى اعلان الحرب على قوانين الأحوال الشخصية , حيث تمكنوا من لوي رقبة بعضها كما هو الحال في سوريا , وانتصروا تقريبا في فضاء المرأة الخارجي , وما عليهم الا الانتصار في فضاء المرأة الداخلي , أي في مجال أمورها الشخصية البيتية الأسرية والعائلية ,فمناصرة بعض القوانين الوضعية للمرأة , ولو كانت زهيدة جدا ومشوهة ومنقوصة ومعاقة , دفعته الى اعتبار هذه القوانين معادية له وللشرع , لأن هذه القوانين تقصيه وتقصي الشرع أيضا , انها مخالفة للنص , وبالتالي تعتبر كفر وزندقة وتستحق الرجم حتى الموت .
تحاول الذكورية مع شريكها الفقهي القضاء على ما اكتسبته المرأة شخصيا من دخل مادي , سمح لها بشيئ من الاستقلالية , وذلك “بتأميم ” هذا الدخل , حتى ولو كان الرجل غير منتج اقتصاديا , وحتى لو اعتاش هذا الطفيلي على نفقتها …لا استقلالية لها بدخلها وانتاجها , فعلى دخلها أن يكون في جيبه ,….دخلها له ودخله له أيضا , وبذلك يتصرف الرجل في الأسرة كوزير مالية , ويريد أيضا أن يكون وزير داخلية ووزير أوقاف ,أذ أنه يعتبر المرأة وقفا له , وعن طريق وزارة الداخلية يريد ضبطها في كل نواحي حياتها … فالرجال قوامون على النساء .. والرجل هو المفسر للنص والمنفذ لمضامينه والمعاقب لمن يخرج عنه , وقد زوده الله في كتابه العزيز بالعديد من الوسائل التي منها مثلا عقاب الضرب, وحتى التجويع أو القتل أو الرجم , اضافة الى ذلك وصايته على جسدها وسلوكها ولباسها وحجابها وجلابيتها وظهورها وتنقلها , ثم محاولة تغيير رأسها وعقلها ومفاهيمها واقناعها بأنها “عورة” يجب جلبتتها وتحجيبها ومنع رؤيتها ووضعها في الكيس الأسود …انه حرام … …حرام…وضلال وكفر أن تتشبه المرأة بعاهرات الغرب العاريات الغاويات الكاسيات الفاسقات , عليها أن تبقى طاهرة نقية تقية مطيعة ورائعة في السرير ..خادمة في النهار وجارية في الليل!! , وتمردها على قيم الشرف الرفيع التي له أن يحددها قد تكون له عواقب وخيمة , تصوروا امرأة ملت من الحيوان والتفتت الى بناءعلاقة مع انسان آخر !!! فقد يكون مصيرها القتل والذبح , المرأة شرف الرجل الذي لاشرف ذاتي له , اذ يجوز له أن يشرمط في الكراخانات ويتزوج عليها للمتعة أو في أطار زواج المسيار وغيرهم من أشكال الزواج المنحطة , أما هي فلا يحق لها المتعة ولا يشملها زواج المسيار , فهي التي عليها الحفاظ على “شرف ” العائلة, والشرف يتعلق فقط بحالة الأعضاء التناسلية … محصنة او غير محصنة عذراء أو ليست عذراء ! والعياذ بالله !.
اذا كان الحديث عن التحجب والجلببة والرجم وضروراته في بعض الحالات ثرثرة , ,فانه لايمكن اعتبار ماقامت به الفصائل وفي مقدمتها داعش وماتقوم به ثرثرة ,الوصاية وقضية الشرف هم من أحد مظاهر احتلال جسد المرأة من قبل مغتصبها ومستبدها ومستغلها , يساعده في ذلك رهط من المشايخ والفقهاء والعلماء ..يسرحون ويمرحون على مختلف الأقنية ويبشرون بالشرع وأحكامه وبالعفة ومتطلباتها وبداعش , التي أعادت للمجتمع الذي تسيطر عليه صيغته ونموذجه الاسلامي الصرف , داعش صارحت بالاشتراك مع أشباهها ومن يؤيدها من المعتدلين الخجولين المنفصمين بشرعية ودينية ماقامت به من شرور , واعادتنا الى صدر الاسلام الحقيقي , الذي لم يتعرف ولا يريد التعرف على حضارة القرون الأخيرة , التي صاغها الغرب الكافر بشكل رئيسي !!!, الغرب رفض “تشييئ” المرأة والشرق الذكوري يريدها “شيئا” يقتنيه ويشتريه أو حتى يهديه لغيره , جسد المرأة تحول الى ساحة قتال الايمان ضد الكفر … السلفية ضد الحداثة …الشر ضد الخير !
Post Views: 853