ممدوح بيطار :
جوهر الدين هو المقدس , الذي يشتق منه في الحياة العملية موقف آخر يقوم على أساس التكفير, وذلك لاعتقاد الدين بصحته , وبالتالي خطأ الدين الآخر , مهما كان هذا الدين الآخر … اليهود والنصارى كفرة وضالين مهما فعلوا .
يحمل المقدس قيمة تفاعلية سلبية تجاه الآخر , ليس فقط في المجال الديني , انما في جميع المجالات الأخرى , حتى الدنيوية منها , خاصة عندما تشمل اهتمامات هذا الدين المجال الدنيوي , كالاسلام في كونه دين , الى جانب كونه دولة .
جوهر الديموقراطية هو ادارة علاقات السيطرة , ادارة تنبع من الحكم وتتوجه اليه , وتقوم بتنظيم الحياة السياسية , التي تترجم الحياة الاجتماعية , عمليا يريد الدين , الذي يعتبر نفسه دولة , او على الأقل مصدر تشريع هذه الدولة, كما يعيه الناس , القيام بمهمات نظيرة لمهمات الديموقراطية , الا انها وللعديد من الأسباب مختلفة عنها , لابل ضدية لها او تعاكسها , ففي حقبات معينة أفرز الدين نظما سياسية, ومثل الجوهر الايديولوجي لهذه النظم , كانت هذه النظم ببعدها الميتافيزيقي الديني , ودون اي استثناء نظما استبدادية شمولية , مارست الخصومة داخليا وخارجيا , مما أهلها لحمل لقب نظم الحروب والتحارب والخصومات وممارسة العنف ادمانا وانتحارا وعبثية , وما هي النتائج المنتظرة لممارسة العنف والتذبيح في اوروبا ؟؟؟ هل سيكون لأوروبا أمير مؤمنين معين من قبل الله ومسؤول فقط أمام الله ؟؟ ؟؟
الدين والديموقراطية ينتميان الى بنيتين فكريتين مختلفتين بالمطلق , لايلتقيان عندما يعملان في نفس المجال , مثل مجال الحكم , لايتعاونان ولا يمكن أن يكون التعاون مضمونا لممارستهم في نفس المجال , التنازع ومحاولة الغاء الآخر واقصائه هو صيغة التفاعل بينهما , لذا لايعرف الدين المتجوهر سياسيا سوى العداء للديموقراطية , وبالتالي محاولة اغتيالها , لا سلام بين الدين والديموقراطية , سوى بالتزام كل منهما في فضائه الخاص به , خروح الدين من فضائه التعبدي , ليس الا اعلانا للحرب على الديموقراطية , أي على حياة الناس المدنية وعلى ادارة هذه الحياة.,
بالرغم من الضدية بين الدين والديموقراطية , حاول بعض المفكرين النهضويين المسلمين ايجاد نوع من التزاوج بين الفكر النهضوي الأوروبي الديموقراطي وبين الفكر الاسلامي , تحقق قدر ضئيل جدا من النجاح على يدهم , ولكن التزاوج الواهي أخذ يتفكك مع ولادة وانتشار الاسلام السياسي في النصف الأول من القرن العشرين , ليصل حد القطيعة في النصف الثاني من ذلك القرن .
بدءا لم يجد المفكرون الاسلاميون صعوبات جدية في مقاربة الشورى مع الديموقراطية الليبيرالية ,كما تمخض عنها التاريخ الأوروبي , الا ان النجاح كان محدودا جدا , لعدم تمكن مفهوم الشورى , حتى بقراءة اجتهادية جديدة من التلاؤم في الفكر الديموقراطي الليبيرالي , الشورى غير الديموقراطية , ولا يمكنهما اللقاء , ولكي يكون هناك قدرا من الاستقرار , لابد من الغاء احدهما.
تنتمي الشورى في المرجعية الثراثية الاسلاميبة الى مجال الأخلاق , وليس الى مجال السياسة , لذلك ليست شرطا للحكم , وحتى مقولة “وأمرهم شورى بينهم ” لاتنتمي الى السياسة , انما هي من الصفات الأخلاقية التي يجب على المؤمنين التمتع بها … وماجاء بخصوص الشورى بعد الهزيمة في معركة ” أحد “,كان ظرفي مرحلي افرزته الحاجة الى المشاورة بعد الهزيمة …لم يكن ركنا ثابتا ودائما من اركان الاسلام .
في سياق اسلامي آخر , اثبت التاريخ الاسلامي بأنه ليس للخليفة اي مسؤولية تجاه من بايعوه , بل أمام الله , وهناك العديد من الآيات التي تؤكد ذلك , وتطالب الناس طاعة الحاكم ….”وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم “, وهكذا اصبح في التكوين النفسي للعرب المسلمين نوعا من الاستعداد والقبول بالحاكم ظالما كان او عادلا .
هناك ظروف وعوامل ساعدت علىى ترسيخ قبول الحاكم المطلق مثل تجنب الفتنة , هنا بقي هذا الاستعداد سائدا في التكوين النفسي للانسان العربي المعاصر , وفي ثقافته وخطابة الايديولوجي والسياسي , وفي علاقاته الاجتماعية على مختلف المستويات , كل ذلك قاد الى ضعف الوعي الديموقراطي عند العرب المسلمين الى حد انعدامه , .
لاتغير المثاقفات والمحاولات الحالية لابراز حضور الديموقراطية في الوعي والممارسة العربية-الاسلامية من هذا الواقع بشيئ يذكر , الديموقراطية ليست أصيلة او متأصلة في هذا الوعي , وفي الثقافة العامة , ولا في الحياة اليومية او الحياة السياسية , وبالنتيجة لا فرق بين من يذبح في باريس ونيس وبين من يبارك التذبيح ….كلهم ذبيحة , وكل منهم وجها للآخر!
