نحن الآن في السنة العاشرة , لوضع تجلى بالحرب على البلاد وعلى مفهوم الدولة , بعد حقبة من نصف قرن اسدي , وبعد حقبة من قرن الاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الأولى , ثم بعد اربعة قرون عثمانية , وعشرة قرون بدوية حجازية بعد اربع عشر قرنا من الحروب الأهلية الباردة , التي تخللتها عدة فترات ساخنة , آخرها الحالة التي نتواجد بها اليوم .
أقول “حرب أهلية باردة”,لأن البلاد كانت ولا تزال عمليا في حالة طوارئ , والسلطة الأخيرة , كسابقاتها على الأخص العثمانية والبدوية الحجازية , لم تكف في نصف القرن الماضي عن محاربة الشعب واغتصابه وقمع حرياته وتعطيل تطوره الى الديموقراطية , كما أن السلطة لم تكف عن اذلال المواطن وتزوير ارادته واغتصاب حقه في انتقاء ممثليه , الحرب الأهلية الباردة تتجلى اضافة الى ماذكر بالفساد , الذي لم يعد حالة استثنائية , وانما تحول الى العرف والأساس لتعامل البشر مع بعضهم البعض ومع أجهزة الدولة .
الحرب الأهلية الباردة , تحولت الآن الى حرب أهلية ساخنة , وفي هذه الحرب ارتشحت عدة خصائص مثيرة مقلقة, هناك الارتشاح الطائفي , الذي يرفضه نظريا فرقاء هذه الحرب ,الا أنهم يوظفون المشاعر الطائفية بدون تردد في استقطاب وتجنيد المحاربين . ..السلطة تضع السلاح في يد البعض بناء على انتقاء مذهبي , وتيار المعارضة المعسكر يأتي بالأسلحة بناء على تعاطف مذهبي , وكل يعتقد على أنه مهدد من الآخر , وكل يعتقد ان وجود الآخر يتعارض مع وجوده .
هذه الحالة تفرض اسئلة عدة , منها مالعمل ؟؟. البعض يقول العمل يكون بالاصلاح , والبعض يسأل من سيصلح , وآخر يسأل ماذا سيصلح , ؟وهل المرشح للقيام بالاصلاح قادر على القيام بمهماته ؟.
يبدو لي وكأن الوضع ميؤوس منه ,سبب ذلك وجود قناعات خاطئة عند الجميع , فالرئاسة تعتقد على أن قتل المواطن , بعد تعريفه بأنه عضو في عصابة ارهابية هو الدواء الشافي , السلطة أصبحت سجينة ريائها الذي مارسته ايام بعد اندلاع التظاهرات علىى لسان المستشارة بثينة شعبان , اذ وصفت السيدة شعبان التظاهرات على أنها تمرد عسكري تقوم به عصابات مسلحة , وبذلك ارادت استباق التحول الذي حدث بعد ذلك , وارادت اعلاميا تغطية قمع التظاهرات بأقسى أنواع العنف , ثم انها ارادت حلا سريعا لتطور وجد شبيها له في تونس ومصر .
الحل الذي وجدته السلطة مثاليا كان الحل الأمني , الذي لم يحقق لحد الآن الا الخلل الأمني والخراب ومقتل مئات الأولوف من البشر وتشريد الملايين منهم , والذي قاد الى الغوغائية التامة , وما القتل على الهوية الا عرضا من أعراض الغوائية التامة الكاملة .
في الجواب على سؤال ما العمل؟ ؟ يقول آخر, الحوار أو التفاوض , مع من وعلى ماذا ؟ الحوار مع السلطة ممكن , الا أنه لانتيجة منه , وذلك لأن السلطة لاتريد من المعارضة أقل من الانطواء تحت جناحيها والاستماع الى أوامرها , كما أن الوضع الأمني لايسمح بالحوار , فهناك عددا كبيرا من السوريين في الخارج يقدر بأكثر من ثمانية ملايين لاجئ وهارب , وعلى الأقل نصفهم ممنوع من دخول سوريا , واذا دخل فسيتم اعتقاله , كيف ولماذا وما هي الجريمة التي ارتكبها هؤلاء بحق الوطن ؟ لا أحد يعرف الا المخابرات , التي تقييم ,بأخلاقها العالية الانسان , على أنه مواطن شريف أو مواطن غير شريف ,ومن هنا يمكن الحديث عن سلطة المخابرات وبالتالي نظام المخابرات ودولة المخابرات , أي وطن المخابرات , الذي لايسمح بنيويا من أن يعبر المواطن عن ارادته , ولا جدوى من حوار لايحترم ارادة المواطن ,أو بالأحرى لايستطيع احترام هذه الارادة,لقد تجاهلت عمدا امكانية الحوار مع الاسلاميين وفصائلهم المسلحة , واذا كان الحوار مع السلطة عقيم , فالحوار مع الاسلاميين عقيم بالمطلق , اضافة بأنه لاموجب لهذا الحوار معهم , انهم في طريقهم الى الانقراض , العصر نبذهم, ولم يتمكنوا طوال قرن من ممارسة سوى الاغتيالات .
من الممكن أن يكون التفاوض أفضل من الحوار , مع ان الفرق بين الحوار والتفاوض ضئيل جدا , ولما لايمكن للسلطة اعتبار المعارضة مساوية لها , لذا لايمكن التفاوض مع السلطة , هنا يمكن للفكرة التالية أن تكون أكثر نجاحا وفائدة ..السلطة تتفاوض مع الأمم المتحدة , التي تمثل عندئذ المعارضة , اذ يمكن للأمم المتحدة بعد اتفاق معين من اعادة تأهيل سوريا للاندماج في المجتمع الدولي, بعد سنين من مروق السلطة السورية وتمردها , الذي خرب علاقات سوريا بالعالم الخارجي , اضافة الى تلف علاقة السلطة بالشعب السوري داخليا .
لايمكن للسلطة ان تفاوض الأمم المتحدة دون ضغوط خارجية , أي انه يجب ارغام السلطة على ذلك, وذلك باجراءات وعقوبات , كما فعل الاتحاد الأوروبي قبل فترة, ومنع جميع الوزراء السوريين من الدخول الى أوروبا ,والدخول يعني الاعتقال , او تطبيق احكام قانون قيصر او غير ذلك, ولمن يفهم وعنده بعض الحس , تمثل كل هذه الخطوات صفعة صاعقة على وجه السلطة ..لا أظن على أن السلطة تأبه بذلك , وذلك لأنها فاقدة للحس , وحقيقة لاتدرك السلطة الأمية سياسيا مدلولات كل ذلك .
Post Views: 756