ممدوح بيطار :
كلمة التحرير
ليس سيريانو أول من دعى الى العقلانية وحاول احياء الثقافة النقدية , هناك من سبقه الى ذلك , لذا فان مهمة هذه الأسطر هي الاعلان عن الانضمام الى تيارات العقلانية والتيارات التي تكرس الثقافة النقدية , بغض النظر عن كون المقصود مقدس أو مدنس , سيريانو لايعترف بالمقدسات ولا يقيم لها أي وزن.
نشهد اليوم وأمس وقبله تحولات ارتكاسية اجتماعية وفكرية , خاصة بعد عام ١٩٦٧ , وكذلك بعد الاستقلال الأول في عشرينات القرن الماضي , وبعد استقلالات اربعينات القرن الماضي , نشهد ايضا صعود التيارات الاسلامية التكفيرية , المعادية للفكر والابداع , ولكل ما هو متطور وجديد , ثم صعود التيارات العروبية التي قضت بالاشتراك مع التكفير الاسلامي على الثقافة النقدية , وعلى المثقف النقدي , الذي تم تشويهه بتهم منها تهمة ازدراء الدين , ثم تهمة الكفر والالحاد , وبالتالي استتباب أمر التخوين كرديف للتكفير ,
تكمن ضرورة العقلانية وضرورة الثقافة النقدية في تفسير الخراب الذي أصاب هذه الشعوب , وفي السعي لاعادة البناء وازالة الخراب بوسائل عقلانية , اثبتت جدارتها لدى كل العديد من الشعوب الأخرى , التي أخذت بها , المطلوب هو رفض اللاعقلانية , التي تحكم شعوب المنطقة في كافة المجالات , ان كانت سياسية أو اقتصادية , أو تنموية , أو اجتماعية , أو عسكرية , أو ثقافية …الخ , تعميم اللاعقلانية قاد الى كل ذلك التأخر الذي نلمسه اليوم , والى كل مانعاني منه , مثل اغتيال الحريات والديكتاتورية وتبرير الجهل لابل نشره ثم توسيع الاستبداد السياسي والديني والطائفي …العقلانية هي ضرورة من ضرورات الحداثة , التي تقوم على العديد من الأسس , منها العلمانية والعلمية ودولة القانون وحقوق وواجبات المواطنة بشكل عام , العقلانية ركيزة رئيسية من ركائز العلمانية , التي لايجوز اختصارها بثنائية الالحاد والايمان , ولا يجوز اعتبارها منهجية نهائية او انها نهاية التاريخ , غاية العلمانية هي خلق الفرد المستقل بفكره , ثم بناء المجتمع الديموقراطي , الذي يفصل بين الدين والدولة , ويمارس حرية التعبير وحرية الضمير , التي تشمل حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد , ثم الأخذ بما جاءت به من أحكام منظومات حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي .
لاتنطلق سيرورة الحداثة من الجماعة والجموع التي يفترض على انها متجانسة , لاتجانس حقيقي واقعي , انما تجانس شكلي افتراضي , تجانس يترجم القهر والقمع والاستبداد , الجموع لاتعرف سوى الاختلاف المضاد للتجانس , الذي لاوجود له واقعيا , مايقال عنه تجانس , ليس سوى اعلان مزور عن حالة لاوجود لها في الحياة العملية , التي لاتعرف أكثر من الاختلاف , عدم المقدرة على العيش في الاختلاف بدون خلاف , هو المسبب الرئيسي لالغاء الاختلاف شكليا , الاختلاف من طبيعة البشر , بينما الخلاف والاقتتال ليس طبيعة تستحق الحفاظ عليها .
انطلاقا من كون الاختلاف طبيعة يجب الحفاظ عليها , لذلك يجب اعتماد التعددية كواقع وطبيعة يجب احترامها , لأنها مصدر الابداع ومصدر التقدم , لاتجوز محاولة تجريم الاختلاف , ثم ممارسة الخلاف , لابد هنا من وسيلة ايجابية للتعامل مع الاختلاف , الوسيلة هي المواطنة الواحدة والمساواة , بعيدا عن تجزأة حقوق الانسان وانهاكها بتقييمات مرضية مثل اقلية أو اكثرية دينية ثم روابط الدم والعشيرة والعرق والحسب والنسب والروابط الأسرية القبلية والطائفية .
لاعلاقة للرابطة الوطنية , بالتراث المحلي , الذي لايعرف الوطن ولا يعترف به , تستند قيمة الوطنية والوطن على معطيات الحضارة الانسانية , التي عرفت المواطنة والوطن , والتي اعطت المجتمعات المتقدمة السلام والاكتفاء الذاتي والعدالة والحرية والديموقراطية ….., لايعرف التراث المحلي مايسمى عقلانية , اذ أنه لاوجود في امة النقل للعقل , ولا وجود في أمة التفاخر والتبجح لثقافة النقد… علينا أن نتعلم من غيرنا , ولكن ليس في مدارس تحفيظ القرآن!
ممدوح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/10
