بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي …

ممدوح  بيطار ,ربا  منصور:

 بغض النظر  عن تأكيد  الفكر الديني لقيم المساواة  والدفاع عن الحريات   ومناهضة  الاستبداد , يتضمن هذا التفكير  العديد من المعالم التي تبطل  هذه الادعاءات , ومن هذه المعالم  امتلاك الحقيقة المطلقة التي  تنفي  النسبية  ,  امتلاك الحقيقة المطلقة  هو  من  أخطر  وأشرس   أنواع الاستبداد  لأنه يقرن  مخالفة   أومجانبة المطلق  بعقوبات عملاقة   ..كنار جهنم  , ولأنه  أيضا  يقترن  يفترض الطاعة المطلقة  والانصياع التام  المطلق  تحت طائلة العقاب   , يبقى  الاستبداد السياسي    أكثر نسبية  والتعامل معه   أكثر مرونة  وأقل قطعية .

يختلف الاستبداد السياسي عن الاستبداد الديني  بحجم  فضاء  المباح  والمسموح والممنوع ,  فالفكر الديني   يضيق  على الانسان فضاء مسموحاته  ولا يترك للعقل   أي فسحة للعمل , والفكر الديني يعمل  بمنظومة الحرام والحلال  , أي بالأبيض والأسود  , لاتوجد منطقة رمادية  , وفي الاستبداد  الديني  يواجه   الانسان  ديكتاتورية  بالعديد من الرؤوس  , كل  رجل دين  هو ديكتاتورية قائمة بحد  ذاتها , تستمد هذه الديكتاتورية مبادئها من الغيب  , في حين يمكن للديكتاتورية السياسية   أن تكون  علمية  , أما  الديكتاتورية  الدينية  والاستبداد الديني   فهو مضاد للعلم  , فالعلم  المادي  كفر وزندقة  , ودائما  يلوح الاستبداد الديني  بالعقوبات التي   تتموضع في   اطار التصفية الجسدية , بينما   يكتفي  الاستبداد السياسي  بعقوبات بالمجمل  أخف,   اقامة الحد   وبتر الرؤوس  هو خاصة  من خواص الاستبداد الديني , التي   لايعرف الاستبداد السياسي في معظم الحالات  شبيها  لها .

لقد بحث عبد الرحمن الكواكبي  العلاقة بين الاستبداد والدين,  والعلاقة بين الاستبداد  السياسي   والاستبداد الديني , ووصل الكواكبي الى  حقيقة وجود  علاقة جدلية  بين الاستبداد الديني والاستبداد  السياسي…انهما  صنوان  وهما  اخوان  ويتداخل كل منهما  في بنية الآخر , وكل منهما ضروري للآخر  ,  ولا  يزعزع   أركان  الحلف   بينهما  الا عامل الطمع عندما  يحاول   أحد الأطراف الاستئثار  بالكعكة ويحرم الآخر منها .

يتصف  الخطاب الاسلامي السياسي  الاستبدادي مقارنة  بالخطاب  الاستبدادي السياسي  بخاصة المخاتلة ….  الاستبداد  السياسي  مخاتل   الا   أن   مخاتلة   الاستبداد  الديني   أعظم , فالاسلاميون  يبحثون   , عن” السلطة ” ومشروعها وليس عن مشروع  دولة , في حين   يبحث  الاستبداد السياسي     أحيانا عن  مشروع دولة ,كما  أن  التخلص من الاستبداد السياسي   أسهل بكثير من التخلص من الاستبداد   الديني  الذي  يجند الله والمقدس في خدمته , الاستبداد الديني مشوه  للبنية السياسية في  المجتمع ,حيث تتحول هذه البنية الى بنية  طائفية مذهبية  , في حين  قد يحافظ الاستبداد  السياسي  على البنية السياسية , وقد تبقى هناك   أحزاب  سياسية  أما  في الاستبداد الديني  فلا  تبقى  الا  الطوائف.

يبحث   الاستبداد  الديني  عن ” السلطة ” ومشروعها  وليس عن  مشروع      دولة كما  يدعون   ,ومن يتابع  سلوك  ومنهج  اخوان  سوريا  يجد  اختلافا  كبيرا  عن  منهجيتهم  في  العراق  أو  في  مصر   ,  الا  أن  القاسم  المشترك    بين   الجميع هو   السعي  لحيازة  السلطة  بأي  وسيلة  أو   طريقة  كانت ,    وبعد  حيازة  السلطة   فالأمر  مفتوح  على   كل  الاحتمالات   الغير  قابلة  للتصور   في  معظم  الحالات , وأول   ما  سيتم  ابتلاعه   هو  منطقة   “المباح “,  تلك   المنطقة  من  السلوك  البشري   الخاضعة  لسلطة  العقل ,  أول   الغيث   سيكون   وضع  هذه  المنطقة   تحت  سيطرة  النقل   ,  النقل  الذي   يقسم  القيم  في  الحياة  بين   حلال  وحرام  الى   أسود  وأبيض  ولا  شيئ  بينهما  .

سلطة   الاخوان  هي  ترجمة  حرفية  للاستبداد  الديني ,  وحتى   لو  تمكن  الاخوان   من  الوصول  الى  السلطة  عن  طريق  الصناديق وتعهدوا  باحترامهم للديموقراطية,  فسرعان  ما  ستعلوا   أصوات  رجال  الدين   معلنة    عن  تحكمهم بكل  شيئ   صغير  أو كبير ,   وذلك  انطلاقا  من  قناعتهم   بأن  الدين  لم  يترك  شيئا  الا  ووضع  له   حكما ,  وبذلك   يتم  الاستيلاء   على  منطقة  المباح  والحاقها   بمنطقة  الحلال  والحرام ,  وهذا  يعني   سيطرت  التشدد  الديني    المطلقة ,  وتحول   البشر  الى  أسرى   لأحكام  رجال  الدين ,وبالتالي  تأسيس   الاستبداد  الديني.

اضافة  الى   الاستبداد  الديني  المتوقع  من  الاخوان   والغاء   منطقة  المباح ,    ينتظر   الشعب   المأسور  من  قبل  رجال   الدين  عواقب  واختلاطات    اضافية,  فالساحة  السياسية  تعج   بالتيارات    والفئات  الاسلامية  المختلفة …هناك  الخطاب  السلفي  ثم  الخطاب   الاسلامي  الحركي   والخطاب  التكفيري   والصوفي    والشيعي  والسني  … الخ  , والشيئ  الذي  يميز   هذه  الفئات  هو  رفضها   للتعاون  مع  بعضها  البعض  وميلها  لتحكيم  السيف   في   حل   الخلافات  بين  بعضها  البعض   ,  وهذا  يعني   تعرض    المجتمع  الذي  فقد  منطقة  المباح  الى  اختلاطات   حروب   لانهاية  لها ,  وبالتالي   تخريب  واتلاف   البقية   الباقية  من  معالم    البلاد  الاجتماعية  والعمرانية ,  كل  يوم  تحت  سلطة  الاخوان  يعني  تأخرا  يعادل سنة  أو  أكثر  ,   وكل  اسبوعين   بمثابة   عقد  من  الزمن   ,  والشاطر   في  الجمع   يستطيع    حساب    عقود   أو   قرون    التأخر  فيما  لو  حكم  الاخوان   عشر  سنوات   مثلا  .  

ممدوح  بيطار ,ربا  منصور :syriano.net

رابط  المقال : https://syriano.net/2020/10

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *