حول اغتيال أنطون سعاده….

جورج  بنا  :

   قبل ما يقارب ثلاثة أرباع القرن اقترفت السلطات اللبنانيّة  جريمة تفوق بفظاعتها الانسانية   والفكرية والسياسية  أية   جريمة أخرى, لأن  ضحيتها لم يكن إنساناً عاديا , بل كان, كما قال عنه كمال جنبلاط في استجوابه للحكومة اللبنانيّة على أثر  اتخاذها  القرار المخزي بإعدامه, بأنه  المؤسس لأهم   مدرسة  فكرية عرفها الشرق,مدرسة  امتزجت  بالسياسة  ووجهتها  من  خلال   الحزب   السوري  القومي  الاجتماعي   . الذي  يمثل  أقدم  الأحزاب في    المنطقة  … كل  الأحزاب  الأخرى  اندثرت  ماعدا    الحزب  السوري  القومي   , الذي  بقي ,  بالرغم  من   جهود   البعث  والرجعية  والاستعمار  والصهيونية   لتحطيمه .
لقد كتب الكثير حول إعدام سعاده, وبعض ما كتب كان محض اختلاق ,  والأسباب  الّتي أوردتها الحكومة اللبنانيّة آنذاك لم  تشكل مبررا  لاعدام  سعادة ,بعد محاكمة  صورية  , ستبقى  وصمة  عار  على  جبين  القضاء  اللبناني , لقد   كان  سعاده معارضاً  لتجذير الروح الطائفيّة بدلا  من  الانتماء  الوطني ,   ومساعيه  كانت  دستورية ,اذ  تضمن   دستور  عام  ١٩٢٦   فقرة تشير إلى أن  الطائفية  حالة مؤقتة يجب  الخروج منها,  لكن   الحكومات عملت على تكريسها ,  بالشراكة  مع  رجال  الدين , الّذين وجدوا في  الطائفية  تحقيقا  لمصالحهم.
  لقد  زورت  الحكومة  اللبنانية   انتخابات  ١٩٤٧,  وسعادة  فضح  التزوير ,  فما  كان  من  الحكومة  سوى  الاستعانة    بحزب الكتائب   اللبنانية  … وكانت  احداث   الجميزة   مع  عناصر  الحزب  السوري  القومي ,  مما  دفع  الحكومة  الى  ملاحقة   سعادة  وغيره  من  المسؤولين  في  الحزب ,  نظرا لانحياز  الحكومة  الى  الكتائب ,  كتب   سامي  الصلح في كتابه ” العبث   السياسي  والمصير المجهول” ما يلي:
يؤخذ على المحاكمة ( سعاده) من حيث الشكل:
– أنّها تمت بسرعة قصوى تثير الشبهات.
– أنّها تمت بصورة سريّة تثير الشبهات.
– أنّها فصلت قضية الحزب القومي عن قضية  اشتباكه مع حزب الكتائب بصورة تثير الشبهات.
ويفهم من ذلك أنّ المسألة برمتها تثير الشبهات, ليس فقط ما قامت به الحكومة اللبنانيّة,بل أيضاً ما قامت به الحكومة ” السوريّة” بشكل عام وحسني الزعيم بشكل خاص.
كتب ناجي جرجي زيدان في السابع  من  تموز  عام ٢٠٠٠,   في جريدة   الحياة   بمناسبة  ذكرى  اعدام  سعادة  ” الحوادث المرتبطة بمقتله”، بادئاً باستعراض ما كتبه سعاده من مقالات بعد ضياع فلسطين على يد  الغوغائية   العربية , التي  أثبتت الأحداث مشاركتها    في   احداث  الهزيمة  أمام  الصهاينة, وآخرها إجتماع البحرين, استمرت  الغوغائية العربية  بالعمل على إنهاء المسألة   الفلسطينية وتثبيت حق  الصهاينة بأرض فلسطين, كما  صرح  وزير خارجية  البحرين, أشار الكاتب إلى أن  حسني الزعيم, الذي  أقترح سلماً منفرداً مع إسرائيل شرط حصول الجمهورية السورية على نصف بحيرة طبريا ,مستنداً بذلك إلى ما ورد في مذكرات  بن غوريون, ذكر الكاتب أيضاً رغبة حسني الزعيم بمقابلة بن غوريون, وأبدى استعداده للإعتراف بإسرائيل, مما حدا بالمفتي الحاج أمين الحسيني مراسلة الأمير عادل أرسلان, وزير خارجية الجمهورية السورية في ذلك الوقت,  وحثه  على عدم الإعتراف بإسرائيل, ممّا أثار دهشة أرسلان ونفيه أن يكون على علم بذلك, وهو  الذي   أصر  لاحقاً على عدم الإجتماع بموشي شاريت وزير خارجية إسرائيل,   يدل هذا  على  أن  حسني الزعيم كان مستعداً   لفعل أي  شيء لإرضاء قادة إسرائيل,   عله  بذلك يضمن موافقتهم على الصلح المنفرد, الّذي كان  ليشكل  له, حسب   رأيه , ضمانة البقاء في السلطة  ,وصل  بعد ذلك الكاتب إلى حادثة   الجميزة الّتي افتعلتها عناصر   كتائبية ,  فقال  بأن  قوات الأمن  اللبنانية  اقتحمت فقط مكاتب الحزب السوري القومي الإجتماعي في  كل المناطق ,  مما  يثبت  أن  هذه الحادثة كانت  مدبرة  للإيقاع بالحزب.
أمّا أنطون سعاده  فقد   بين  في رسالة له إلى   القوميين   الاجتماعيين   في  حزيران ١٩٤٧ أسباب سعي الحكومة للإيقاع به, فرأى أنّ هدف الحكومة كان إسكاته عن مهاجمتها وفضح   مخططاتها ,  ثم  كم الأفواه المنتقدة وخنق   حرية الرأي,وتسخير القضاء لمشيئة الحكام الإستبداديّة وأهوائهم”.
مهما  تعددت  الأسباب الّتي   اختلقتها  الحكومة ,تبقى الحقيقة مرتبطة, ليس بالتلفيقات   الحكومية ,بل بما كتبه أصحاب الضمير الحي  الذين  أنصفوا سعاده وحزبه,  قال الدكتور حسان   حلاق   في  كتابه ( التيّارات السياسيّة في لبنان ١٩٤٣-١٩٥٢  ) ما يلي: ” ان  حقيقة اتهامات الدولة اللبنانيّة  العلنية  للحزب القومي بالتعامل مع إسرائيل ما هي إلّا لتأليب الرأي العام  اللبناي   والعربي  ضده  وتأليب حسني الزعيم  ضده , لاسيّما وأن أنطون سعاده فر في هذا الوقت إلى سوريا هارباً من اعتقال السلطات اللبنانيّة له.
يبقى أن أشير إلى  أن   الجهود   لتصفية  سعاده بدأت فور عودته من مغتربه القسري في آذار عام ١٩٤٧، وهذا  ما  تؤكده  مراسلات سفير بريطانيا في بيروت,   الذي  قال  في إحدى رسائله إلى  الخارجية  البريطانيّة ما يلي: ” ويبدو أن  الحكومة  اللبنانية  قد بادرت إلى اتخاذ الإجراءات المضادة بسرعة, إلّا  أن  الحكومة   تحركت  بتشجيع من حزب الكتائب   اللبنانية “.
ومن ضمن الإتهامات الّتي   وجهت  دون  حق إلى سعاده, ووردت في رسالة من سفير بريطانيا إلى وزير خارجيتها ” هناك اعتقاد سائد  بأن  الحزب القومي السوري   يتمتع  بدعم وتأييد البريطانيين “,هذا الإدعاء نقضه السفير البريطاني في دمشق,   الذي  قال في إحدى رسائله إلى   خارجيته ما يلي: “حدثت في لبنان حوادث خطيرة سببها الحزب ” الفاشي” القومي السوري… وكان أنطون سعاده يخطو خطوات هتلر…”.
هذا التخبط الواضح لدى الحكومة اللبنانيّة والسفراء   الغربيين    يثبت مدى ضلوع الجميع  بمحاولة    التخلص  من سعاده ,نزولاً عند رغبة الصهاينة  الذين رأوا في حركة سعاده الرامية إلى توحيد الكيانات   السورية , الّتي أوجدها  سايكس بيكو, خطراً كبيراً على مشروعهم القاضي  باقامة  دولة  اسرائيل
وها هي اسرائيل اليوم  تتلاعب او  تلعب  بدول العالم العربي, وتسعى إلى انهاء المسألة الفلسطينية  اولا ,  ثم  تقسيم   سوريا على  أساس الفرز   الطائفي   والعرقي  ثانيا ,
الوثائق الّتي بدأت تفرج عنها الحكومات بشكل متتال تثبت ضلوع فرنسا أيضاً بالسعي  على  تصفية  سعاده,يروي الأمير فريد شهاب, الّذي كان عام ١٩٤٩ مديراً للأمن العام اللبنانيّ ما يلي: ” وكان الحزب السوري القومي الإجتماعي يعادي الإنتداب مباشرة,وبالتالي يعادي فرنسا الّتي كانت تتخوّف من انتشاره في فلسطين وسوريا, هذه الأسباب جعلت السلطات   الفرنسية  تصدر أوامرها بملاحقة أعضاء الحزب ومحاصرة نشاطاته المختلفة,لهذا استدعى كاترو مدير الأمن العام الفرنسي في لبنان ” لافارغ” وأبلغه بأن  السلطات الفرنسية  تريد القضاء على الحزب السوري القومي الإجتماعي, وأن عليه أن يرسم خطة وينفذها  بسرعة ونجاح لاعتقال كل  أعضاء هذا الحزب وسجن قياداته.
من هنا, يتبين   ضلوع   كل  الدول الفاعلة في ذلك الوقت, إقليميّة كانت أم   دولية , بالعمل   على  تحطيم الحزب السوري القومي الإجتماعي بشكل عام وسعاده بشكل خاص, ومما  ينفي عن هذا الحزب ارتباطه بأي  محور هو انعدام موارده المالية  واللوجستية , وقد  شهد على ذلك أيضاً الأمير فريد شهاب إذ كتب: ” وكنت ألاحظ صمود هؤلاء ”  القوميين ” الّذين كانوا يعانون, بالإضافة إلى ” تعتير” السجن, من شح المصاري, فما كانوا يملكون قرشاً واحداً ولا يستلمون من الخارج أي قرش, كانوا بالفعل مناضلين صامدين, منضبطين، تحملوا  الأمرين “.
إن اغتيال سعاده لم يكن فقط كارثه على حزبه, بل كان كارثة   قومية   أثرت  سلباً على حياة  الأمة    السورية ,   لأن  حزب سعاده بما هو نهضة إجتماعية شاملة, كان الوحيد المؤهل لإنقاذ  البلاد على جميع الصعد, وبالتالي لم يكن وارداً أن تصل الأمور فيها إلى ما وصلت إليه من ازدياد التشرذم, وتجذر الفساد, وتغلغل الطائفية  في النفوس إلى درجة مخيفة نلمس تبعاتها هذه الأيّام.
أعدم سعاده   لكن  حزبه ,  الذي  تعثر  مرارا   بعد  موته ,  لايزال   متواجدا  بقوة في  سوريا   …اقدم  الأحزاب   لازال  على  الساحة   ,  التي  نبذت  كل  الأحزاب  الأخرى
جورج  بنا :syriano.net
رابط  المقال :https://syriano.net/2020/09

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *