فاتح بيطار :
ولما ترعرع الفرد العربي على ثقافة تمجيد الماضي من العصور الإسلامية الإمبراطورية السالفة, وجد نفسه ملزما بمقارنة احواله الآنية مع الحال في الأزمنة السالفة , ثم مقارنة أحواله هذه بسائر أحوال شعوب الكون , التي اندفعت قدما على جميع الأصعدة , بينما ظل هذا الفرد على قارعة الطريق مستهلكا لكل ما تنتجه الشعوب الأخرى, لايبدع ولا ينتج أي شيء يذكر من مقومات حياته على هذه الأرض…الابرة ..الثوب ..الكوفية …السيارة … الطائرة .. وكل هذا ناهيك عن إنتاج الغذاء لملايين البشر.
هكذا, تحول الحنين إلى الماضي الأسطوري والمتوهم , والذي ترعرعت عليه الأجيال العربية- الإسلامية طوال عقود طويلة, إلى الملجأ الوحيد الذي يلجأ إليه العربي-المسلم , هروبا من حالات الإحباط النفسية في حياته الراهنة.
هذه الحال بالذات, كانت الخلفية التي استغلتها الحركات الأصولية, التي ترى في ذلك الماضي دواء لمعالجة كل أمراض مجتمعاتها في هذا العصر, وترى في ذلك الماضي أرضية خصبة للخيال, والسبيل الوحيد للانطلاق مجددا في رحلة في رحلة الفتوحات , التي يمارسها العثمانيين الأتراك… ويتمناها المشائخ ,على منوال القدماء من الحقب الصحراوية الغابرة.
اذا اردنا تقريب هذه الحال إلى الفهم , يمكننا القول ان حال الإسلاميين هذه هي أشبه بشخص اثبتت عيونه في على قفا رأسه, أنظاره موجهة دوما إلى الوراء, لا يستطيع أن يخطو قدما , وكلما حاول التقدم خطوة , سرعان ما يعتثر في طريقه ويسقط على وجهه,فعيونه ترى الوراء” الماضي ” فقط والوراء فقط .
الركود الفكري الذي تم التحذير منه مستمر منذ القرن السابع الهجري, لقد كان منتصف ذلك القرن علامة فارقة في التاريخ السياسي والفكري العربي الاسلامي , لقد شهدت تلك الفترة علامات أفول الدولة العباسية, كما اغلق في تلك الفترة باب الاجتهاد في الإسلام, انحسر الإسلام إلى ضرورة التقيد بالنقل , لقد حدث ذلك مع افتتاح المدرسة المستنصرية في بغداد, وهي التي تم تقسيمها إلى أربعة أقسام قسم للشافعية, قسم للحنفية وقسم للحنابلة، ثم قسم للمالكية, وقد تم اختيار فقهاء لتدريس كل مذهب على نهج المشايخ الأربعة, التطورات قادت بعد ذلك الى دخول الاسلام في مرحلة الجمود الفكري لقرون طويلة وعديدة لاحقة.
لقد سارت الحال على هذا المنوال حتى بدايات القرن العشرين, هنا ظهرت على الساحة دعوات للسماح بالاجتهاد , ومن أهم الذين دعوا إلى الإصلاح وإلى إعمال العقل من جديد, كان مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهرالإمام محمد عبده, الذي أطلق دعوة إلى إلغاء التحريم المفروض على الفلسفة وطالب بتدريسها, كما نادى بتحكيم العقل وفتح باب الاجتهاد , طالب بالإقرار بحق الفرد في أن ينظر في النصوص بدون وساطة أحد من السلف والخلف , ذهب بعيدا في محاولاته الاصلاحية , اذ أصدر فتاوى بتحليل الفوائد المصرفية, وإباحة اللباس الإفرنجي للمسلمين , وندد بتعدد الزوجات, وطالب بحرية المعتقد الديني, لدرجة أنه أتاح للفرد حرية الاختيار”من شاء أن يدخل الإسلام فليفعل , ومن شاء أن يخرجَ منه فله ذلك” غير أن محاولاته ودعواته الاصلاحية ذهبت أدراج الريح .
بعد مرور قرن من الزمان على تلك الدعوات الإصلاحية , نرى للأسف ان كل التحذيرات لم تجد , لم يتغير أي شيئ في التوجهات الإسلامية, المضمون القديم بقي ….. الإسلام بشرائعه وتشريعاته كامل متكامل منذ ولادته في القرن السابع في جزيرة العرب,وأنه عابر للحدود الزمنية والمكانية, وهو صالح لكل زمان ومكان, هذه كانت الكارثة ولا تزال !
فاتح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/08
