الدين الاجتماعي وتطور المقدس من الثابت الى المتحول

سمير  صادق  :

   المسألة هي الاصلاح ثم جعل الحياة صالحة للعيش , حياتنا ليست صالحة للعيش ولم تكن صالحة , وحياتنا تخضع للعديد من المؤثرات , بعضها يخضع لارادتنا وبعضها لايخضع لهذه الارادة كالمؤثرات الخارجية , الدين والتراث هم من أهم المؤثرات الداخلية , لذا كانت هناك محاولات لاصلاح الدين وممارسة القطيعة مع التراث,  تطور  اصلاح   الدين   جزئيا  الى    عكسه  …   وذلك   انطلاقا  من  الاعتقاد   بأن    سبب   الأزمة   كان   الابتعاد  عن  الدين,  هكذا   ازداد   التطرف  الديني   ,وولدت   تعابير   جديدة  مثل   تعبير  “المسلم   الأعلى ”  أي  الانسان   الأعلى دينيا   .  ثم محاولات  اعادة  الحياة  الى  ما  مات  من  التراث, .

نتائج   كل هذه  الجهود كانت  مخيبة  للأمل , ولم  تكن  كما  تمنى  البعض …لانزال نسير الى الوراء !,ولفشلنا     العديد  من  الأسباب  , منها  على  سبيل  المثال   الالتباس  حول   الاصلاح  والكفر  والعقل , كافر  من  يحاول   تأويل  النصوص  من  جديد ..نتائج محاولات الاصلاح الديني  كانت  متواضعة جدا,لابل  معدومة   , سبب  ذلك  كان  الالتباس  بخصوص     الاصلاح  والكفر  ثم  الدين  والعقل ,  كافر  من أراد     تأويل   النصوص  من  جديد….!كافر  من  يجتهد   ,  لأنه بذلك     يتحول    الى  زنديق   ومخترع   للبدع   الشريرة  , التي  لايريد  الدين  التلوث  بها    وبالتالي   ينأى بنفسه  عنها.

حقيقة  لم   يكن   ذلك  كفرا  ولا زندقة,  ولم  يكن   مسا  بالمقدس   الديني   ,  فالمقدس  أصلا   هو  الانسان  ,  الذي   عليه  أن  ينجو  من   الدين  ,  الذي  يهدده    ,  لم يكن الأمر محاولة للمساس بالمقدس  والدين  , بقدر ماهو محاولة للبرهنة على أن الدين  ليس صالحا لرعاية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السياسية المعقدة,وفقدان الصلاحية ليس بالجديد ..عمره هو عمر الدين أو الأديان ,  لم  تكن  الجهود موجهة الى تغيير طبيعة الدين  ,انما الى اعادة الدين الى وضعه الطبيعي,   أي الى طبيعته الفردية بوصفه تجربة خاصة , وتعريف لعلاقة خاصة بين الفرد والغيب …الدين للكل أفرادا وليس للأفراد مجتمعا ,فالحياة الاجتماعية هي سياسية   بطبيعتها , وادارتها  تستلزم   من  الجميع   القيام بواجباتهم , وتعطي الجميع حقوقهم , ليس من حق المجتمع , الذي هو ممثل للشأن العام, أن يتدخل بالدين الذي هو شأن خاص , الدين هو مزيج من الحق والواجب الشخصي الذي يحدده نوع   الانتماء  الديني  ,بينما المجتمع هو الجسد الأكبر في الدولة, وهو الذي يحدد حقوق وواجبات الشخص ككائن  اجتماعي .

هدف كل الجهود في القرن التاسع عشروالعشرين  كان  اعادة الدين الى طبيعته الفردية الشخصية, وليس الى صياغة دين جديد , البعض أوالأكثرية تمادت في استهلاكها لطاقاتها في مجال اصلاح عبثي لطبيعة الدين , بينما كان الهدف وضع الدين بدون محاولة اصلاحه في المكان الطبيعي له , وهو المجال الشخصي ,وهذا مايمكن التعبير عنه بفصل الدين الشخصي عن دولة المجتمع ,

هل اعادة    الدين  الى طبيعته  الفردية نهاية  المطاف ؟ , الا  توجد  بدائل   لقبر    الدين  مع    المنتمي  اليه   في  مقبرة  الهامشية ,  بالتأكيد …هناك  بدائل   صاغها  العقل  ,واذا كان   المجتمع   منطقة  محرمة   على  الدين  no  go  area ,   فأين  هي   المشكلة   لو   حاولنا   تدجين   الدين  وتجنيسه   بالجنسبة   الاجتماعية, اذ  أنه  من  الممكن  تحويل  الدين  الى  فاعل   اجتماعي  ,  أي   أنه  من  الممكن   خلق  مايسمى  الدين   الاجتماعي , وهذا   ما  حدث  في  أوروبا   بفضل   النهج  العلماني , تم  ذلك  عن  طريق   الغاء  الخاصة  الشخصية  للدين ,  وعن  طريق  جعل  المقدس  دنيوي , …ان  كان  هناك   مقدس  فهو  الدنيوي  ! ,  اي  الانسان    ,  تحويل  الدين الى  أمر اجتماعي  , يتطلب  اضافة  الى   ذلك   قلب  مفهوم   التقديس   ,  المقدس  هو  لخدمة  الأنسان   , وليس  الأنسان  لخدمة  المقدس  ,  ولما   كان  المقدس   خادما  للانسان   , والانسان  متطور  متغير   , عندها   سيتحول   المقدس    من   الثابت  الى  المتحول  ,

اذا  كان  الدين  قيما  وأخلاق , مهمتها      خدمة   الانسان  المتغير  المتطور   والمتكيف   مع   تغيرات  وتطورات   الحياة  اليومية   ,   لذلك    يصبح     تطور  وتغير   الدين  حتمي    ,  لأنه  في  هذه  الحالة   على  الدين   أن  يتكيف  مع   الانسان   , لكي يتمكن  من  خدمته    ,  الدين   الذي   يريد  من  الانسان  أن  يخدمه    ويرفض    مواكبة  الانسان   في  خلق  واقع  جديد  باستمرار   ,  هو  الدين   المغترب  عن  الانسان   , وبالتالي  الدين  الفاشل  أو  الذي   سيفشل   ,  انه   الدين   الذي   يقف  عائقا أمام    نفسه   الاجتماعية , التي   تريد   أن  تعمل   وتدير ووتبدع   باشراف     العقل   , أي  باشراف   نظم  وقوانين وأحكام  وضعية    تستقيم  مع   التطور  الى  الأفضل    ,  القانون   الوضعي   هو  المقدس  في الدين  الاجتماعي   , والقانون   الألهي   هو    المقدس   في  الدين  الشخصي   ,  البعيد  عن   المجتمع وبالتالي  البعيد  عن   السياسة   ,  أي  البعيد   عن     الدولة  ,  لأن  الدولة  مؤسسة  سياسية  بامتياز .

لايفكر  رجل   الدين , الذي  تحول  في  أوروبا   الىى فاعل  اجتماعي ,  بمرجعية  مقدسة   تطورية  ومتغيرة   خارج   اطار   القانون   الوضعي ,  أي  العقل   البشري  , الذي   يصيغه   الانسان  المقدس   , مقدس    بسبب  مقدرته  على    التكيف  مع     الواقع   ,الواقع  المتغير  مقدس   لأنه   متنكر  للثبات  والجمود   , أي  للثابت  …الخ ,  لهذه  الأسباب   لم  يعد  الدين  في  اوروبا   مزعجا   للانسان , وأصبح  بامكان    الانسان     الاقتراب  من   الدين دون  مخاطر  الصدام وبالتالي  التحارب   ,  كل  ذلك كان  نتيجة   لتقديس   الانسان  بدلا  من  الله   وديبنه    ,   ونتيجة   للانقلاب  على    منظومة التخديم  ,  الانسان  مخدوم  وليس    خادم  ,  الدين  خادم  وليس  مخدوم     , بعد   أن  تحول   الدين  الى دنيوي , ولم  يعد  الهي  غيبي   يريد  من   الانسان  ممارسة  الطاعة  والانصياع ,   الدين   هو   الذي عليه  أن   يطيع الانسان  وينصاع  له   ولعقله!

سمير  صادق :syriano.net

رابط  المقال  :https://syriano.net/2020/07

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *