ممدوح بيطار :
يتكلمون عن نسب مئوية تعطيهم الأحقية في الهيمنة المطلقة على الغير , فمن يتحدث عن ٨٠٪ مذهبيا ويعني بها ٨٠٪ سياسيا , انما يربط الدين بالسياسة ربطا محكما , وذلك تطبيقا لفلسفة قطعان الذئاب , لا أهمية لجدارة مفاهيمهم وفاعليتها وأحقيتها ومنطقيتها ونتائجها وجودتها , المهم ان تولد مسلما سنيا ويولد غيرك كذلك , لكي تصبح النسبة الرقمية ملائمة للصندوق الشكلي , بعد الصندوق … عندها لكل حادث حديث …. عندها وبعد تحول سوريا الى قندهار ستنصب المشانق ونتحول الى مؤمنين , كما كان الأمر اثناء الخلافة العربية والعثمانية من بعدها , ومؤخرا خلافة داعش .
تفرض اللحظة التاريخية على الجميع الاجابة على أسئلة العصر ,والاسلام السياسي هو جزء من الماضي والحاضر , أي العصر , ولمعرفة علاقة الاسلام السياسي بالمستقبل والحاضر لتأهيل هذا الاسلام السياسي أو عدم تأهيله للحاضر والمستقبل , لابد من التعرف على مفاهيمه التي هي مفاهيم الاخوان المسلمين الى حد كبير , ثم انها أيضا مفاهيم داعش والنصرة وغيرهم من هوايش وهوامش الأطياف الاسلامية , المتمحورون جميعا حول فكرة الدولة الاسلامية الأممية .
الدولة الاسلامية التي تريد وضع كل امة أو أمم المسلمين في العالم على أرضها ,ذات حدود افتراضية تتعلق بوطأة قدم المسلم , وطأة القدم هي بمثابة تاميم أو تملك (مفهوم الحق البدوي ) أو شرعنة لضم مكان الوطأة الى مشروع دولة الأمة الاسلامية , التي ستمتد مبدئيا من اندونيسيا الى طنجة , ولكنها قابلة للتوسع أيضا , فحدود هذه الدولة تشبه حدود دولة اسرائيل(حدود حسب الضرورة والحاجة والتيسير ) , اي أن الدولة الاسلامية المنتظرة والتي ينتظرها الاسلاميون مبهمة الحدود جغرافيا , انها كيان الأمة الاسلامية , التي لانعرف لها تعريفا محددا في هذا العصر .
بشكل عام يمكن اعتبار سقوط الخلافة العثمانية , ثم احتلال البلدان الاسلامية من قبل الغرب من أهم الدوافع ,االتي ايقظت الحاجة الى هذه الدولة على يد الاخوان المسلمين في مصر وباكستان بادئ الأمر . الآن وبعد حوالي قرن من الزمن والكثير من الجهاد والقتل والفشل , يمكن القول بأن مشروع دولة الأمة الاسلامية قد تحول الى سراب .
لقد كان لمشروع الدولة الاسلامية تأثيرا كبيرا على سوريا وخرابها وقتل ابنائها , والتأثير السلبي تمثل في محاربة مشروع الدولة السورية , لأن نظرة الاخوان لهذه الدولة كانت نظرة احتقار , لقد اعتبروها وصمة عاروابنه عاهرة , لذ يجب ازالتها , وقد نجحوا في العديد من أهدافهم التدميرية لحد الآن , الا أنهم فشلوا في اقامة دولتهم الاسلامية , التي تبتعد يوميا وبتزايد عن امكانية اقامتها .
بدلا من يتعلق موضوع دولة اسلامية بعوامل داخلية فقط ,تحول هذا المشروع ليصبح أمرا عالميا , فالمجتمع العالمي لايريد هذه الدولة , مهما كانت العواقب,تختلف منطلقات الرفض الخارجي القطعي لهذه الدولة ,عن منطلقات عدم التقبل أو الرفض الداخلي لها , فالمنطلقات الخارجية تتلخص بشكل رئيسي بالارهاب وتصديره , لأن هذه الدولة متهمة ليس فقط بارهاب الشعوب التي تسيطر عليها ,انما بممارسة الارهاب العابر للحدود (مشهديات داعش) , , داخليا لاتوافق بين العصر وبين النموزج النبوي الذي ينتظر منه ملئ الدنيا عدلا وتقدما , فمهما كانت درجة رشد الخلافة الراشدة في سياقها التاريخي , ليس بالامكان أن يكون لهذا الرشد مكانا في العصر الحديث ,كما أنه كان للخلفاء مسحة مقدسة , وهذه المسحة المقدسة لاتستقيم مع امكانية وضع ضوابط للسلطة التي يمارسوها , وبالتالي فان سلطتهم مرشحة لممارسة الاستبداد والفساد والديكتاتورية , ومن يريد الفساد والديكتاتورية في هذا العام و في هذا العصر ؟؟؟
فشلت الخلافة على كافة المستويات ,ومسبات الفشل كانت ذاتية , فشلت الخلافة على ذاتها الفاسد الماجن , وفشلت اعادة تأسيس هذه الخلافة , وذلك بعد مرض وموت حاملها العثماني , فمن فشل في الحفاظ عليها لايتمكن من اعادة تأسيسها , الخلافة العثمانية كانت بحكم الميتة , ورصاصة الرحمة أتتها من الهزيمة في الحرب العالمية الأولى , والفكرة التي أججها حسن البنا عام ١٩٢٨ تتعرض كل سنة وبتزايد الى التآكل والابتعاد عن الواقع , وبقدر الابتعاد عن الواقع يتعاظم شغف الاسلاميين بهذه الدولة , وعليهم بهذا الخصوص تنطبق أحكام العبثية والعدمية .
انطلاقا من امتلاك الدولة الاسلامية الافتراضية لعوامل الفناء الذاتي , يمكن القول بأنه لاحاجة للانهماك في محاربتها , فالاسلاكم السياسي يحارب نفسه بجدارة , ويعرض الدين الذي يدعي محاولة اعلاء أمره والدفاع عنه الى العديد من المتاهات الغير ضرورية , فعند تكاتف الدين مع الاسلام السياسي, يصبح سقوط الاسلام السياسي سقوطا للدين أيضا سقوطا لكلاهما .
لايقتصر قصور الخلافة على امكانية التنكص الاستبدادي , هناك عدم تناسق مجمل شروط الحياة مع مفاهيم الاسلام السياسي , وهل من دولة في هذا العالم لاتعتمد القوانين الوضعية , وكيف ستتعامل هذه الدولة الغريبة عن العصر مع متطلبات هذا العصر ان كان اقتصادية او اجتماعيةا او عسكرية , وكم من المنتظر لدولة الملالي ان تبقى على قيد الحياة , وكم من المنتظر أن تبقى السعودية بعد جفاف النفط المنتظر , وماهو دور البترول في بقاء هذه الكيانات , وهل وجود البترول أبدي ؟؟؟ وما هو الفرق بين ايران والسعودية وبين أفغانستان أو الصومال ؟؟ ليس الا البترول! , تحتكر هذه الكيانات كل معالم الدولة الفاشلة , والفشل النهائي ليس الا مسألة وقت .
ممدوح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/06
