ممدوح بيطار :
هل يقف المجتمع الذكوري الأبوي مكتوف الأيدي أزاء تزايد تآكل واضمحلال امتيازاته بفعل التطور المنطقي والطبيعي للحياة وبفعل البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الجديدة , التي ساوت بين المرأة والرجل في المجتمعات الديموقراطية والصناعية الحديثة , خاصة بعد الحرب العالمية الثانية , فبدون جهد كبير وبدون ارتجاجات واعتراضات تمكنت هذه المجتمعات من تحقيق المساواة , الأمر لم يكن عسيرا في كل بقاع العالم باستثناء المجتمعات العربية -الاسلامية الرافضة لأي تغيير أو تطوير لمنظومة المجتمع الأبوي الذكوري .
لاشك بوجود تطور ايجابي بطيئ جدا في بلادنا باتجاه التعامل مع المرأة علىى أنها فرد كغيرها في المجتمع , هذا التطور شبه قسري في معظم الحالات ودائما منقوص بسبب مقاومة تيار الاسلام الذكوري الشرثة , وأي تطور ايجابي في هذا الخصوص خضع الى عامل الاعاقة والتعطيل من قبل التيار المذكور , بحيث يمكن التحدث فقط عن نهضة أو تقدم “معاق” .
لم ولن يقف الاسلام الذكوري مكتوف الأيدي أزاء التهديد المتزايد لمكانة وسلطة الرجل , فالمرأة اخترقت العديد من المجالات التي كانت حصرا ذكورية , والمرأة العاملة لم تعد تقبل وصاية الرجل المادية , الذكر الفحل يشعر في هذه الحالة باذلال متزايد وانتهاكا لسلطته وسلطانه , ارتكاسا على ذلك حاول ويحاول استعادة ماخسره من مراكز النفوذ في الأسرة والمجتمع , المعركة تحتدم خاصة عند تزايد استقلال المرأة ليشمل الاستقلال الناحية الجنسية أيضا , فلها حاجاتها الجنسية وله حاجاته أيضا والمتعة أو اللذة يجب أن تكون مشتركة وفي اطار الحب الحقيقي , لامجال لاغتصاب المرأة المتنورة جنسيا , ومتطلب اللذة والمتعة ليس حصرا ذكوري , المطالبة بالشراكة جنسيا تحرج الرجل المدمن على الاغتصاب , والذي لايعترف بحاجات المرأة الجنسية , المرأة بالنسبة له أداة نكاح يستخدمها متى يريد وكيفما يريد وما لها الا نلبية رغباته واشباع غرائزه , يساعده في هذاالموقف الخصامي والعدائي والاحتقاري للمرأة موقف الاسلام خاصة شرعنة الاسلام لتعدد الزوجات , فان لم تنسجم الأولى معه يحلف عليها بالطلاق بالثلاثة ويعيدها مطلقة الى ذويها , ويأتي بالثانية أو الثالثة , والاتيان بالثانية لايشترط الطلاق من الأولى وحتى لايشترط اعلام الأولى بمسعى الزواج من امرأة ثانية , كل ذلك يدل على هشاشة وضع المرأة وضعفه مقارنة مع الذكر الفحولي .
لاتقف المرأة وحيدة في مجابهة الاسلامية الذكورية في الشرق العربي الاسلامي , فقد تمكنت بعض الدول مثل تونس من صياغة دساتير وضعية تساعد المرأة , دساتير تمنع تعدد الزوجات وتساعد على انصاف المرأة ولو جزئيا ورمزيا معنويا , مقابل حلف الذكور مع الاسلام هناك حلف للمرأة مع القوانين الوضعية خاصة في الجمهوريات العربية , هذا الحلف على الرغم من ضعف مكونه النسائي ومكونه القانوني , أحرج الذكر وأحرج الاسلام الذكوري معه , ودفعهم الى اعلان الحرب على قوانين الأحوال الشخصية حيث تمكنوا من لوي رقبة بعضها كما هو الحال في سوريا , وانتصروا تقريبا في فضاء المرأة الخارجي , وما عليهم الا الانتصار في فضاء المرأة الداخلي , أي في مجال أمورها الشخصية البيتية الأسرية والعائلية ,فمناصرة القوانين الوضعية للمرأة ولو كانت زهيدة جدا ومشوهة ومنقوصة ومعاقة دفعته الى اعتبار هذه القوانين معادية له وللشرع الاسلامي , له لأن هذه القوانين تقصيه وتقصي الشرع الاسلامي , لأنها مخالفة للنص , وبالتالي تعتبر كفر وزندقة تستحق الرجم حتى الموت .
يحاول الذكر مع شريكه الاسلام الذكوري القضاء على ما اكتسبته المرأة شخصيا من انتاج وبالتالي دخل مادي سمح لها بشيئ من التمرد والاستقلالية , وذلك “بتأميم ” هذا الدخل حتى ولو كان الرجل غير منتج اقتصاديا , وحتى لو اعتاش هذا الطفيلي على حسابها …لاحساب لها لأنه على ريعها أن يكون في جيبه , فدخلها له ودخله له أيضا , وبذلك يتصرف الرجل في الأسرة كوزير مالية ويريد أيضا أن يكون وزير داخلية ووزير أوقاف ,أذ أنه يعتبر المرأة وقفا له , وعن طريق وزارة الداخلية يريد ضبط أمورها … فالرجال قوامون على النساء .. والرجل هو المفسر للنص والمنفذ لمضامينه والمعاقب لمن يخرج عنه , وقد زوده الله في كتابه العزيز بالعديد من الوسائل التي منها مثلا عقاب الضرب وحتى التجويع أو القتل أو الرجم , اضافة الى ذلك وصايته على جسدها وسلوكها ولباسها وحجابها وجلابيتها وظهورها وتنقلها , ثم محاولة تغيير رأسها وعقلها ومفاهيمها واقناعها بأنها “عورة” يجب جلبتتها وتحجيبها ومنع رؤيتها ووضعها في الكيس الأسود …انه حرام … …حرام…وضلال وكفر أن تتشبه المرأة بعاهرات الغرب العاريات الغاويات الكاسيات الفاسقات , عليها أن تبقى طاهرة نقية تقية مطيعة ورائعة في السرير ..خادمة في النهار وجارية في الليل!! , وتمردها على قيم الشرف الرفيع التي له أن يحددها قد تكون له عواقب وخيمة , تصوروا امرأة ملت من الحيوان والتفتت الى بناءعلاقة مع انسان آخر !!! فقد يكون مصيرها القتل والذبح , المرأة شرف الرجل الذي لاشرف ذاتي له , اذ يجوز له أن يشرمط في الكراخانات ويتزوج عليها للمتعة أو في أطار زواج المسيار وغيرهم من أشكال الزواج المنحطة , أما هي فلا يحق لها المتعة ولا يشملها زواج المسيار , فهي التي عليها الحفاظ على “شرف ” العائلة, والشرف يتعلق فقط بحالة الأعضاء التناسلية … محصنة او غير محصنة عذراء أو ليست عذراء ! والعياذ بالله !.
التحجب والجلببة والرجم وضرورته , واذا اعتبرنا الأقنية والمقابلات والتوضيحات نوع من الثرثرة , فاننا لانستيع اعتبار ماتقوم به داعش ثرثرة ,الوصاية وقضية الشرف هم من أحد مظاهر احتلال جسد المرأة من قبل مغتصبها ومستبدها ومستغلها , يساعده في ذلك رهط من المشايخ والفقهاء والعلماء ..يسرحون ويمرحون على مختلف الأقنية ويبشرون بالشرع وأحكامه وبالعفة ومتطلباتها وبا داعش أعادت للمجتمع الذي تسيطر عليه صيغته ونموزجه الاسلامي الصرف , داعش صارحت بالاشتراك مع أشباهها ومن يؤيدها من المعتدلين الخجولين المنفصمين , واعادتنا الى صدر الاسلام الحقيقي , الذي لم يتعرف ولا يريد التعرف على حضارة القرون الأخيرة التي صاغها الغرب الكافر بشكل رئيسي , الغرب رفض “تشييئ” المرأة والشرق الاسلامي الذكوري يريدها “شيئا” يقتنيه ويشتريه أو حتى يهديه لغيره , جسد المرأة تحول الى ساحة قتال الايمان ضد الكفر … السلفية ضد الحداثة …الشر ضد الخير !
ممدوح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/06
