العسكرة وخيار الانتحار ..

فاتح   بيطار:

      من له مصلحة في تحول الثورة السلمية الى  ثورة مسلحة ؟ والجواب  يعتمد على تعريف مفردة  -مصلحة-  , ومفردة  مصلحة تعني هنا انتصار أو نجاح , أي ان المصلحة تفترض  الانتصار او النجاح في الصراع  الداخلي  ,وتحويل الصراع من صراع غير مسلح الى صراع مسلح  يتم عادة برضى وخيار الأطراف المتصارعة  , أو على الأقل برضى وارادة أحد هذه الأطراف المتصارعة .

الوضع السوري  خضع  الى   القوانين  والأحكام  المعروفة  بمراعاتها  لعنصر  المصلحة ,  نظرة سريعة الى هذا الوضع والى امكانيات كل طرف من أطرافه  توصلنا الى النتيجة  التي تقول , ان للسلطة المصلحة الكبرى في  تحويل الصراع الى صراع  مسلح ,  ولا مصلحة لمعظم أطياف المعارضة بذلك , أي أن سلمية المعارضة  عمليا ليست بالضرورة  تعبيرا عن  موقف مبدئي , وانما تعبير عن   المصلحة , التي يجب على الممارسة الحفاظ عليها , خيار العنف بالنسبة للسلطة  هو خيار منطقي  , لأن هذا الخيار هو الخيار الوحيد  الذي يضمن للسلطة بعض الفوائد والمكاسب  , هذا اذا افترضنا  بأن  السلطة غير مهتمة الا بالسلطة أولا ..ثم الوطن في المرتبة العاشرة  تقريبا, فالسلطوي  يفكر بالشكل التالي : الاصلاح  ولو كان جزئي  مدمر له  وللسلطة  معه  , لذا لا اصلاح,  وبقاء السلطة مرهون بالانتصار على الشعب الثائر , والذي لا يريد أو يستطيع التراجع  , لذا غلى السلطة المواجهة , بماذا ؟

السلطة لاتستطيع ممارسة المواجهة الفكرية , ولا تستطيع اقناع احد بكفائتها , تحاول الترويج  والتخويف من الآخر , الذي لاينقص سوءا عنها   , لذا على الشعب  الوقوف الى جانب السلطة تفاديا للآخر!!تحمل المر , أفضل من الوقوع بما هو أكثر مرارة , ولايوجد للمواجهة من جانب السلطة الا سلاح واحد, هو العنف , الذي يترجمه الحل الأمني, وهذا   ماحدث ويحدث الآن .

نجاح الحل الأمني   أمر ممكن , وقد نجح هذا الحل مبدئيا  في ايران وبورما   وقضي هناك على الانتفاضات هناك , لذا فان السلطة تسير في طريق العنف  وتنتهج ممارسة القتل , واذا لم تنجح السلطة في القضاء على كامل المعارضة  خلال فترة زمنية قصيرة , وهذا ممكن أيضا  , فان النزال العسكري  سيطول متخذا شكلا منخفض الى متوسط الشدة , وسيطيل  بذلك على الأقل حياة السلطة  ,  ويعطيها الوقت الكافي لكي تنظم وتدبر أمورها  في المنطقة التي ستنشق عن الوطن السوري في حال فشل الحل العسكري  الأمني في النهاية , حيث يتم الانتقال من رئاسة  الكل الى رئاسة الجزء ,والانتقال من السجال بين الطوائف الى السجال ضمن الطائفة ,  انتقال عاصمة السلطة الى القرداحة سيترافق مع ولادة  معارضة علوية  للبيت الحاكم , نظرية  أنا وأخي على ابن عمي ,ا, وأنا وابن عمي على الغريب  سوف لن تستمر  حيث لاغريب في القرداحة ..لايوجد الا  الأخ وابن العم …وظلم ذوي    القربى  أشد مضاضضة !.

نظرا لوصول الحلل الأمني الى نقطة اللاعودة  , يمكن القول بأن  السيناريو السوري سيكون شبيها للسيناريو العراقي أو الليبي أو اليمني , بعض فئات المعارضة تشترك مع السلطة   في تحويل الخلاف بينهما الى حرب أهلية والى صراع مسلح بين الناس أو بين الناس والسلطة,والأساس الذي يرتكزعليه  دوام وازمان الصراع هو أساس “اللاحل” ,ولما ليس بمقدور الشعب السوري  أن ينحل عن طريق “اللاحل” ,والعالم ,انطلاقا من المصلحة العامة  ومقتضيات السلم العالمي , سوف  لن يتفرج طويلا , فقد تدخل  ويتدخل الآن وسيرتفع  مستوى تدخله مستقبلا  , والتدخل يخضع  , كأي شيئ في هذه الحياة , الى حسابات الربح والخسارة , والربح ليس دائما مادي  , لذا فان فرحة وزير الخارجية لكون سوريا غير منتجة للكثير من البترول  سوف لن تدوم طويلا , فللتدخل موجبات لم تتحقق لحد الآن بكاملها , والسلطة في طريقها  لاكمال وتحقيق هذه الموجبات , ومن أهم هذه الموجبات هي نتائج الحل الأمني , الذي سيقود الى  الاهتراء الكامل للسلطة  معنويا وماديا  ثم اختناقها وانهاكها  , ليصبح التدخل بعد ذلك حلا أمنيا عالميا ضروريا وسهلا , وكأنه  نزهة   كما  كان  الحال في العراق .

الحل الأمني سيفشل في النهاية , وسيحدث  انهيار , وذلك بالرغم من المساعدة التي قدمتها  بعض فئات المعارضة المسلحة للسلطة  عن طريق استجابتها لنداء الرصاص والبندقية , وبالتالي أطالت عمر السلطة, فما هو الانهيار  المتوقع ؟؟

هناك دولة وهناك نظام وهناك سلطة .  وانهيار السلطة هو الهدف  المحدد للمعارضة , الا أن الانهيار سوف لن يتوقف عند  حدود السلطة , وفي سوريا يوجد أصلا وضع مريب   ,يتمثل في ابتلاع   النظام  للسلطة  والدولة معا , وقد غيرت السلطة النظام  حسب حاجتها  , اذ أن النظام لم يعد جمهوري بحت , ولم يصبح ملكي بحت , انه مزيج من الاثنين ..السلطة ألغت الدستور عمليا , ذلك لأن معظم ممارساتها ليست دستورية , وبما يخص الدولة , فقد طوبت السلطة الدولة على اسمها ..سوريا الأسد , لذا فان سقوط السلطة , الذي هو بشكل طبيعي  من أبسط الأمور في الحياة السياسية , سيكون في سوريا مقرونا  بسقوط النظام  وسقوط الدولة أيضا , حيث ستنقلب سوريا الا العديد من الدول , والسلطة الأسدية التي نجحت في اخضاع كامل سوريا الى ارادتها  مدة نصف قرن من الزمن , سوف تحاول اخضاع دولة العلويين  الى ارادتها  , وقد تنجح  أو لاتنجح  !!, وبشكل عام فان انحسار الملكية والمملكة من كامل سوريا الى  القرداحة وجوارها  هو  تطور غير مناسب جدا لوضع العائلة , وغير مناسب للدولة السورية التي سينقرض عند ذلك شكلها الحالي , تطور حتمي ومؤلم  , ورحلة ستستمر الكثير من العقود ,لابل القرون , بين حقول المتفجرات , تطور لامناص منه ولا مناص من  الغوغائية التي ستأتي بعد سقوط السلطة والنظام والدولة , وكلما طال أمد الحكم الأسدي , ازدادت صعوبات المرحلة التي ستأتي ..نهاية بمرارة , خير  من مرارة بدون نهاية

فاتح  بيطار :syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/06

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *