علمانية القومية الاجتماعية…

نبيهة حنا :

   يشكل الفكر القومي في ساحة الحوار الفكري السورية والعربية/معلماً مركزياً مهماً/لما يحتويه من غنىً معرفي/ثقافي ، في تنكبه لمشروع نهضوي يتناول تجديد أم الحضارات الإنسانية – الأمة السورية/العربية – والذي لا يستطيع أي باحث بغض النظر عن انتمائه الفكري ، أو موقعه الأكاديمي أن يتغفل ، عن الثورة المعرفية التي جاء بها مؤسس ومنشئ هذا الفرك الأستاذ الشهيد أنطون سعاده ، ومدرسته بنظامها المعرفي/الثقافي ، في شقيه العقدي والمؤسساتي ، فكرياً ، والمتضمن نظام ثقافة عقيدته القومية الاجتماعية ، ونظام ثقافة مؤسساته المتسق مع طبيعة نظام ثقافة عقيدية ، بصورة جدلية مركبة ، تطبيقاً لفلسفة أطروحة سعاده في رؤيته لمفهوم – النظام – حيث في عرفه هو :

(نظام الفكر والنهج ، ثم نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج ،.. النظام شيء عميق جداً في الحياة .. الذي لا بدّ منه لتكييف حياتنا القومية) – المحاضرات العشر – ص 40 .

علمانية الفكر

آثرت أن يكون موضوع دراستي هذه ، عرض الخطوط العريضة لعلمانية هذا الفكر وإيضاح مضامين نصوص علمانية العقيدة الاجتماعية فيه ونصوصها الثلاثة الأولى :
1
. فصل الدين عن الدولة .

2. منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين .

3. إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب .

وهي المبادئ الإصلاحية – العلمانية – التي يؤكد سعاده انبثاقها من المبدأ الأساسي السادس في عقيد هذا الفكر القومية (الأمة السورية – مجتمع واحد) . المحاضرات العشر – ص 49 .
وهذا التأكيد من سعاده ، هو إشارة منه إلى وحدة العلاقة الترابطية لجدلية مبادئ فكره القومي الاجتماعي . وهذه برأينا نقطة مفصلية في منهج آليات نشوء وإنتاج هذا الفكر .

ففي سياق شرحه لهذه المبادئ يقرر سعاده أن دولة أمته السورية الجديدة : “تقف إلى جانب الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة أسرار النفس والخلود والخالق وما وراء المادة ، أو الماورائيات” ، أي “الجامعة الدينية الروحية للمسيحية والمحمدية” ولكنها – أي دولة الأمة السورية – تحارب وتقف ضد الوجهة المدنية السياسة للمسيحية والمحمدية” المحاضرات العشر – ص 117 .

ومن ضمن هذا التوجه ، أعلنت الدولة العلمانية المنبثقة عن الفكر القومي الاجتماعي أنه : “يجب أن يكون لكل فرد من أفراد الأمة السورية الحق والحرية ليعتقد في الشؤون المتعلقة بما وراء المادة ، كالله والسماء والجحيم والخلود والفناء ، كما يريد ، ولا يطلب منه إلا أن يكون قومياً صحيحاً مخلصاً لأمته ووطنه” ، كتاب الإسلام في رسالتيه .

وفي رسالته الثانية لغسان تويني في 7 نيسان 1946 يطرح سعاده مفاضلته للإيمان الديني/الروحاني للفرد على الأيمان الاستثماري السياسي التجاري/ النفعي له .

“لا يمكننا ونحن نبغي الصحيح أن ننظر إلى الدين بمنظار سياسي ولا إلى السياسة بمنظار ديني . يحسن أن يكون الإنسان مؤمناً في الدين ولا يحسن أن يكون مؤمناً في السياسة” . الرسائل الجزء الثاني – ص 575 .

وفي ردوده على الإشكاليات الدينية والمذهبية التي وقع فيها الأمين السابق – فخري المعلوف – وعبر رسالته لغسان تويني – في 12 شباط 1946 يعلن سعاده أن قضية الدولة القومية الاجتماعية : “لا تتدخل في مسائل الأيمان الديني ولا تريد أن تفرض “حقائق دينية” معينة على أعضائها . فليؤمن من شاء بما شاء وليجهر كل ذي رأي برأيه وليوافقه من يشاء وليخالفه من شاء ، ولكن سلامة العقيدة القومية الاجتماعية ووحدة العقيدة وحركة النهضة يجب أن تبقى فوق جميع النظريات ، والمذاهب المتعلقة بما وراء المادة وبما دخل للعقيدة فيه” ، الرسائل الجزء الثاني – ص 540 .
لأن – يتابع سعاده مناقشة المعلوف – عبر رسالته لغسان تويني – بأنه يقوم عملياً : “بجلب نزاع النظريات والمذاهب الفلسفية والمحمدية واللادينية من علمية دروينية وغير دروينية واسبنسرية وغيرها إلى صفوف مفكري الحزب يخرق وحدة العقيدة ووحدة صفوفها .. وتمزيق الأمة السورية وكل متحد قومي متمدن في العالم كله إلى أحزاب دينية متنافرة متطاحنة” الرسائل الجزء الثاني – ص 540 – 541 – 581 .

وارتكازاً لذلك يؤكد سعاده بصورة حاسمة وجازمة على الفصل بين الديني – الروحي ، والزمني/ السياسي في عقيدة الفكر القومي الاجتماعي معلناً : “إن خرق مبدأ المساواة في الحقوق وحرية الاعتقاد وحرية إبداء الرأي ، معناه مخالفة صريحة لمبادئ عقيدتنا القومية الاجتماعية القائلة بتساوي الأفراد في حرية الاعتقاد الديني وبالفصل فصلاً تاماً بين المسائل الدينية والقضية القومية الاجتماعية” ، ص 528 .

وفي إجابته على تساؤلات حول طبيعة الجوهر العلماني وآلياته العملية/النظرية لدولة الأمة السورية القومية الاجتماعية المقبلة ، والمراد إقامتها مستقبلاً ، يطرح سعاده بنوده التالية :

1. تساوي جميع الأعضاء في حقوق عضوية الدولة .
2
. حرية الرأي والاعتقاد مبدأً عاماً لا يمكن حرمان أحد منه إلا الذي يستخدمه لإفساد الأخلاق وإلقاء الشقاق وإثارة العداوات بين أبناء الأمة .

3. إن الأيمان الديني يمتحن به الإنسان في دينه لا في قوميته

4. إن الأمة والدولة وشؤونهما السياسية والإدارية والاقتصادية والحربية والحقوقية والقضائية ليست من شؤون الدين .
5
. عدم لزوم أي اعتقاد للزعيم أو لرئيس الدولة غير الاعتقاد القومي الاجتماعي .
6
. إن جميع القضايا المتعلقة بالإيمان الديني وإرادة الله لها محكمة عليا أخيرة هي الحساب يوم الدينونة/ يوم الآخرة فيجب ترك حكم الله لله” – ص 584 .

وبالمحصلة وفي إطار شرحه للمبدأ العلماني الثاني ، يوسع سعاده شرحه لمضامين فكره العلماني لجهة الناحية السياسية الحقوقية والقضائية فيعلن :
1
. هذا المبدأ يعين ما يفهم من فصل الدين عن الدولة .. فالإصلاح يجب ألاّ يقتصر على الوجهة السياسية” ، بل “أن يتناول الوجهة الحقوقية – القضائية أيضاً ” . 2. إن الأحوال القومية المدنية والحقوق العامة لا يمكن أن تستقيم حيث القضاء متعدد أو متضارب ومقسم على المذاهب الدينية الأمر الذي يمنع وحدة الشرائع الضرورية لوحدة النظام .
3
. لا بد ، للدولة القومية الاجتماعية ، من وحدة قضائية – وحدة شرعية .. لا يمكن أن تكون لنا عقلية واحدة ونعمل بمفاهيم متنافية مع وحدة المجتمع” – المحاضرات العشر – ص 126 – 127 .
فحسب منهج سعاده لرؤيته لفلسفة آليات نشوء وإنتاج الأطروحة العلمانية في الدولة القومية الاجتماعية ، فإن الوحدة – الشرعية القومية/ المدنية – تؤسس : “لإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب – وهي الوحدة المؤسسة عملياً للوحدة الروحية/القومية والاجتماعية التي لا تتحقق بواسطة روحيات دينية متعددة ، بل بواسطة روحية واحدة ، بنظرة واحدة إلى الحياة والكون والفن بواسطة مقاييس ومفاهيم واحدة ، بواسطة وحدة مقاييس وإرادات ومصالح في الشعب الواحد في الأمة الواحدة” – المحاضرات العشر – ص 128 .
وإرتكازاً لذلك يرى سعاده من موقع النقض أن : “الحواجز الاجتماعية – الحقوقية بين طوائف الأمة تعني إبقاء داء الحزبيات الدينية الوبيل” المحاضرات العشر – ص 129 .

الحزب  السوري  القومي

نبيهة  حنا :syriano.net

رابط  المقال:https://syriano.net/2020/03

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *