نبيهة حنا :
١– تعقيب على منشور الصديق عارف خياط بخصوص المواطنة وحالة الاغتراب التي يعيشها الانسان السوري , واقعيا يمكن القول بأن هذا الانسان لايزال “غريبا” عن المواطنة السورية , التي لم تكتمل في القرن الواحد والأول من تاريخ سوريا كدولة مستقلة….. ولا يمكنها أن تكتمل في هذه الفترة القصيرة , لقد عاش هذا الانسان اربعة قرون كعثماني وعشرة قرون كفرد من الرعية العربية البدوية الخلافية الاسلامية , خاصة المواطنة السورية ناقصة , ولا يمكن لها الا أن تكون كذلك , ولم يختلف عن مافعلته العثمانية عن مافعلته البدوية العربية , من تهجين الشعوب الى العثمانية أو الى البدوية القريشية العربية.
٢-لاوجود لفروق كبيرة بين بنيات شعوب هذه المنطقة , ولا فروق كبيرة بين ديكتاتورياتها ,ولا فروق بين ماضيها وخبراتها , وبالتالي لافروق تذكر بين تطوراتها , وبين أشكال الحلول لمشاكلها , أقرب الدول العربية الى بعضها البعض هي العراق وسوريا , نظم العراق وسوريا جمهورة شكلا , هناك كان البعث والتوريث , ثم الطائفية , والصراعات الفئوية , التي انحدرت من المستوى القومي العليل , الى المستوى المذهبي الشخصي العائلي العشائري , كما أنه لافرق كبير بين الوضع الدولي بالنسبة للعراق وسوريا , العقوبات مثلا , التي انهكت الشعب العراقي وأنهكت الشعب السوري , كل ذلك تكلل في العراق بالغزو عام 2003 , وبغزو سوريا الحالي المتعدد دوليا,…
٣- سوريا تعاني , كأي دولة ناشئة خضعت للتهجين الاغترابي عن الذات الحالي لقرون عديدة , من افتقادها للقيم التي تخص الواقع الحالي كدولة سورية , عليها أن تكون مستقلة , والاستقلال يحتاج لقيم استقلالية متناسبة مع الوضع الاستقلالي لدولة صنعت في القرن الأخير , قيما جديدة ومتعاكسة , أو على الأقل متباينة ومختلفة عن القيم السابقة ..ان كانت عثمانية أو قريشسية عربية , أحد القيم المهمة كانت قيم “المواطنة ” السورية التي لم تكتمل بعد , وليس بامكانها أن تكتمل خلال فترة القرن القصيرة , مقارنة مع القرون الاغترابية العديدة السابقة لهذا القرن.
٤- لاتخص القيم الحالية المهيمنة في سوريا الوطن السوري , انما تخص الذين تحولوا بفعل الاستقلال السوري وبفعل مشروع الدولة السورية الى غرباء عن سوريا …عثمانيين او قريشسيين عرب , لافرق ! , تتطلب اقامة الدولة السورية ,انتاج قيما سورية خاصة بسوريا , ثم التخلص من القيم الموروثة من عصور الحاق وتبعية سوريا للعثمانيين او القريشيين , القيم العثمانية والقريشية ليست مشوهة بالمطلق , مشوهة فقط عندما يتم اعتمادها في سوريا , التي ليست عثمانية وليست قريشية عربية , سوريا سورية بحكم المنطق والتاريخ والقانون والأخلاق والعرف الدولي ..الخ , اعتبار سوريا شيئا آخر غير سوري , هو بمثابة تنكر لاقامة الدولة السورية أو رفض للدولة السورية من الأساس , كل دولة لها قيمها الخاصة بها , وسوريا ليست استثناء , ولماذا لانعترف بذلك ؟؟؟ .
٥- فمن يسكن في سوريا ويعتبر نفسه سوريا , بينما يخفق قلبه عثمانيا أو عربيا قريشيا , هو موطن عثماني أو قريشي وممارس للمساكنة في سوريا , لاعيب في أي انتماء طوعي , العيب فقط في الانتحال والتلفيق …كن عثمانيا كما تريد !, ولكن لاتنتحل شخصية مستعارة واسما مستعارا سوريا , انك بذلك تشوه نفسك , وتشوه البلاد التي تعيش بها , والتي تمثل تقليديا مايسمى “وطن ” , الوطن شيئ مختلف تماما عن المسكن أو الفندق أو المستوطنة وعن المرحلية , حالة سوريا كوطن ليست مرحلية , انها حالة نهائية , خاصة من المنطلق الواقعي لهذا العصر , سوريا نهائية وليست فندق او مستوطنة , كما أنه لها دينها, انه دين ” المواطنة” السورية , وليس دين الفئوية العرقية أو الاثنية أو القومية …الخ , الاسلام ليس دين الدولة السورية , ولا يمكنه أن يكون دين دولة , الانتماء الديني شخصي , وسوريا ليست شخصا اسمه سوريا , الدين ليس انتماء سياسيا وليس انتماء اجتماعيا !
٦- ترتكز الدولة في هذا العصر بشكل رئيسي على صيغة “المواطنة “, المؤسسة على ائتلاف مجموعة بشرية متعددة الأطياف دينيا وقوميا واثنيا … ثم دمج كل ذلك في انتماء واحد هو المواطنة المتعلقة بالجغرافيا , لايمكن القول بأن سوريا فقدت هذه المقومات , التي لم تكتسبها أصلا , ولا يمكن القول بأن سوريا كدولة كانت مكتملة المعالم كدولة, ثم خسرت أو فقدت هذه المعالم الجيدة , سوريا الحالية لم تكن سوريا طوال ١٤٠٠ سنة , لم تفقد ماهو مهم , ولكنها لم تكسب المهم , ولا يمكنها اكتساب المهم في فترة قرن من الزمن .
٧- لجأت سوريا الى العروبة كانتماء سياسي وصيغة ثقافية وفشلت , لأن صيغة العروبة الثقافية لاتفعل في السياسة , والدولة ليست منظومة اقصاء للعروبة الثقافية , لايمكن أقصاء الثقافة , فالينابيع الثقافية التي تروي الوعي الثقافي متعدة المصادر , ولاعلاقة لهذه التروية مع خيار اجتماعي , انما مع الميول الشخصي , الذي لايمكن لمنظومة الدولة تحديده , منظومة الدولة منفتحة ثقافيا تلقائيا وطبيعيا , فمن يدخل ومن يخرج ثقافيا ليس شأن الدولة .
٨- من شأن الدولة أن تهيمن على الجميع وأن تكون سقفا للجميع وأرضا للجميع , من شأن الدولة أن تسيطر على الجميع بقوة القانون ..دولة القانون حسب ماكس فيبر , من شأن الدولة احتكار العنف التنفيذي , وممارسة السيطرة البناءة , ليس من أجل اقامة الديكتاتورية , انما من أجل منع فئة من السيطرة على فئة أخرى , وبالتالي خلق الأساس , الذي تقوم الحروب الداخلية الأهلية عليه , هذه الحروب حتمية عند فقدان الدولة للسلطة والهيمنة على الجميع ….عندئذ الى القتال , الذي نحن بخصوصه الآن .
نبيهة حنا :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/03
