اعادة بناء سوريا !, كيف ؟

جورج  بنا :      اقتلاع سوريا هوعمل يتم انجازه بدقة عالية , وحتى الأرض التي لايمكن اجتثاثها وزرعها في مكان آخر تتعرض للاقتلاع , أما الشعب فقد تم اقتلاعه بطرق أكثر فاعلية ,لاوجود لسوريا الآن كأرض مساحتها 185 ألف كم2 الا في المراسيم والاعترافات الدولية, أما الشعب فلا وجود لمعظمه الا في المخيمات والمقابر , الخراب والأمل المفقود حل محل الأرض والشعب .
يتحدثون عن اعادة الاعمار , والقصد هنا اعادة تعمير المساكن والطرقات ويحددون المبالغ الضرورية لذلك …حتى لو توقفت الحرب هذا اليوم, فانه من المستحيل تأمين هذه المبالغ التي تتجاوز تقديرا أكثر من 500 مليار دولار , ومن سيقدم ذلك ؟ فشبه دولة ميزانيتها السنوية أربع مليارات دولار لاتتمكن من تأمين مبالغ بهذا الحجم , لذلك فان اعادة الاعمار , ان تم البدء به غدا , فسيقتصر على بعض التجميلات الشكلية هنا وهناك .
الأهم من التجميلات هو اعادة اعمار من نوع آخر , اعادة اعمار الشعب الذي هاجر وهرب , ومن هرب ولجأ من السوريين ينقسم الى قسمان , القسم الأول وهو القسم الأكبر والمتواجد في مخيمات الأردن ولبنان وفي تركيا , وهذا القسمم هو القسم الذي يحتاج الى رعاية وتمويل …هذا القسم يحتاج الى فرص عمل والى دعم مادي وغذائي ودوائي , هؤلاء لم يعد لهم بيوت وان بقي من هذه البيوت بقايا ستحتاج الى ترميم , ومن سيدفع ومن سيمول ومن سيؤمن فرص العمل أو تقديم المساعدات ؟ ولا أظن بأن مساعدة الأمم المتحدة ستكون غير كافية حتى لتغطية الحد الأدنى من التكاليف ,
اعادة اعمار الشعب تتطلب ترميم أوصال البلاد المقطوعة جغرافيا وشعبيا , اذ لم تعد هناك روابط عامودية وأفقية تربط مابقي من الناس مع بعضهم البعض,روابط شكل تقاطعها منظومة الكيان الوطني السوري قبل هجرة مايقارب نصف سكانها تحت وطأة ظروف داخلية أو استعمار داخلي تمارسه السلطة بالشراكة مع الفصائل المسلحة الاسلامية , التي تفرخها الفقاسة السلطوية باستمرار , السلطة ضرورية للفصلئل , والفصائل ضرورية للسلطة .
القسم الثاني من السوريين هو القسم الأكثر تأهيلا لممارسة مهنة معينة … مهندسين .. اطباء , كيمياءيين ..فيزيائيين صناعيين ..الخ , وهل من المنتظر أن يعود هؤلاء بعد أن أسسوا في بلاد لجوئهم وهروبهم عملا وبعد أن دخل أطفالهم المدارس وشبابهم المعاهد والجامعات وبعد أن اعتادت الأسر على الحياة في أوروبا أو كندا أو استراليا أو أمريكا أو أوروبا بشكل عام ؟, لا أظن بأن عددا كبيرا منهم سيعود , اذ لاوجود لمشجع اجتماعي أو سياسي أو مادي على العودة .
سوريا خسرت كل شيئ حتى بعض التنوع الديموغرافي الذي تمازج في الماض بشكل مقبول , الآن نحن بصدد حركة تهجير غوغائية واقامة الكانتونات المعزولة عن بعضها البعض , اقامة الكانتونات سوف لن تجدي الا في اقامة السدود النفسية والرفض النفسي للغير الذي يكرس الرفض والاقصاء والكره والثأر والتخوين والتكفير , الفصل بين المتنازعين عن طريق تهجير البعض منهم سوف لن يكون ممكنا بالشكل الذي يتصوره ممارسوه ومحبذوه ,ستفشل عمليا محاولة التغيير الديموغرافي عن طريق استيطان البعض من جماعة حزب الله وبعض الايرانيين في بعض المناطق في البلاد, وسوف لن يجلب ذلك الا الكره والرفض لهم ,وفي أول فرصة سانحة سيتعرضون الى ذات الثأريات التي مارسوها بحق غيرهم .
سوف لن تكون هناك معاوضة كافية لاقتلاع من هم أكثر تعلما وتأهيلا وثقافة عن طريق هجرتهم أو تهجيرهم , , فمنظومة التربية والتعليم منهارة , وحتى لو انهزم الجهاديين والأصوليين عسكريا فسيبقى لهم محليا تأثيرا وسوف لن يكون بامكان أي قوة من منع حلقات تحفيظ القرآن التي صور لنا شريط نشر على هذه الصفحة احتفالا لهم بتخريج دفعة جديدة من الأطفال حفظة القرآن ,, وما هو مستقبل طفل تشرب الطائفية منذ نعومة أظافره ؟ وكيف سيتمكن هذا الطفل من اللحاق بالمدرسة بعد افناء السنين الدراسية الأولى من عمره بتحفيظ القرآن , وخاصة عند استمرار تشويه خصائصه الاجتماعية والنفسية عن طريق تدريبه على الجهاد والعنف ورفض الآخر, وهل رأيتم طفلا حفظ القرآن وتربى على العنف في مصاف المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية العليا …أين هو الكيميائي أو الفيزيائي أو المهندس أو عالم الذرة أو المبدع في الفن أو الفلسفة أو علم الاجتماع ….بين هؤلاء الذين حفظوا القرآن وتربوا على الجهاد ورفض الآخر ؟
يبدو وكأن هامش التفاؤل ضيق جدا , فمن أين سيأتي التفاؤل عندما تكون أبواب الفرج موصودة بالفوضى وتنامي الطائفية وترسيج الانقسام الجغرافي والديموغرافي وشرعنة القتل والتعفيش والخطاب الماضوي المتعفن , وهل يتمكن الانسان المدمر والمسحوق من ازالة الدمار ؟؟
يتطلب التفاؤل بمستقبل أفضل خلق الانسان السوري الأفضل أولا , أظن بأن هذه العملية صعبة الى مستحيلة دون مشروع دولي كمشروع مارشال ودون اشراف دولي بشكل وصاية , وهل هناك في العالم دولة تقبل بالوصاية على سوريا ؟ وهل هناك في العالم جهة تستطيع وتريد تقليد مارشال ؟
جورج  بنا :syriano.netرابط  المقال:https://syriano.net/2020/03

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *