مازلنا في الطور القبلي !!

عبد الناصر العايد:

البنية القبلية والعشائرية في سوريا
في مطلع القرن العشرين، استقرت معظم القبائل السورية، في الأقاليم التي كانت مراعي ومنتجعات لمواشيها، وصنفها الباحثون تبعاً لطريقة عيشها في نمطين: القبائل الحضرية أو المستقرة، والقبائل الراحلة.
وعلى الرغم من وجود حيزات جغرافية واسعة نقية لناحية احتوائها على العنصر والثقافة والعلاقات العشائرية، إلا أننا لا نستطيع الحديث عن حالة قبلية ذات حدود دقيقة، فقد شهدت العقود السابقة حركة نزوح شديدة إلى المدن، خلفت تداخلاً كبيراً بين البنيتين المدينية والقبلية.
ويمكننا القول، إن في سورية مواطنين من خلفيات قبلية، تربطهم شبكة علاقات عشائرية، رغم تباعدهم المكاني، ويعد النسب، الذي يعتني غالبيتهم بحفظه، الناظم الرئيسي لهويتهم.
يعد سكان محافظات دير الزور والرقة والحسكة ودرعا، من خلفيات عشائرية بالمطلق، بما فيهم الأكراد، كما يمثلون غالبية سكان ريف حلب، والأرياف الشرقية لإدلب وحماه وحمص والقنيطرة.
ومع أن أبناء محافظة السويداء من خلفية عشائرية أيضاً، إلا أن الهوية المذهبية هي الطاغية، شأنهم في ذلك شأن العلويين، لذلك لن يتم احتسابهم في التقديرات التي سنعتمدها هنا، والتي ستكون تقريبية، لعدم وجود أي مرجع إحصائي رسمي لأعداد أبناء القبائل، بسبب تحريم السلطات لأي أبحاث أو دراسات من هذا القبيل، منذ وصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1963.
العدد والانتشار:
وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء، بلغ عدد سكان سورية المسجلين حتى تاريخ 1/1/2011 في سجل الأحوال المدنية 24504 ألف نسمة، منهم 1692 ألف في محافظة دير الزور، و1008 ألف في الرقة، و1604 ألف في الحسكة، و 1126 ألف في درعا، يمكننا على وجه التقدير، اعتبار 90 % على الأقل من سكان هذه المحافظات من خلفيات قبلية، أي مامقداره 4887 ألف نسمة، ويمكننا إضافة مليونين من سكان أرياف ومدينة حلب، كما يمكن إضافة ما نسبته عشرة بالمئة على الأقل من سكان إدلب وحماه وحمص والقنيطرة، والبالغ عددهم وفق الإحصائية نفسها في حمص 2147 وحماه 2113 وإدلب 2072والقنيطرة 489 أي ما مقداره 682 ألف نسمة، وهذا يعني أن المواطنين من خلفية قبلية يزيد عددهم على 7569 ألف نسمة، ومع إهمال التجمعات القليلة في بقية المحافظات، نستطيع أن نقول إن نسبة المواطنين من خلفية قبلية إلى عدد السكان الإجمالي تزيد عن 30%، ويعيشون في مناطق تزيد مساحتها عن 43% من مساحة سورية البالغة 185.180 كم²، إذا احتسبنا فقط مساحة المحافظات ذات الغالبية العشائرية المطلقة وهي دير الزور 33.060 كم² والحسكة 23.334 كم² والرقة 19.616 كم² ودرعا 3.730 كم².
أعلى معدلات الفقر والأمية:
يقول تقرير (الفقر في سورية 1996 – 2004) الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2005 إن “المناطق الشمالية الشرقية (إدلب، حلب، الرقة، دير الزور، الحسكة) سواء كانت ريفية أو حضرية، شهدت أعلى معدلات الفقر سواء من حيث انتشاره أو من حيث شدته أو عمقه”، ويضيف “باستخدام الخط الأدنى للفقر تصل معدلات الفقر إلى أعلى درجاتها في المناطق الريفية للشمال الشرقي (17.9%) تليها المناطق الحضرية في الشمال الشرقي (11.2%)” حيث”تبلغ نسبة الفقراء 35.8%” و “يزداد الفقر المدقع في الاقليم الشمالي الشرقي أربع مرات عن الاقليم الساحلي”، ويقول التقرير الوطني الثاني لأهداف التنمية للألفية في الجمهورية العربية السورية الصادر عن هيئة تخطيط الدولة السورية في أيلول٢٠٠٥ إن “نسبة الملمين بالقراءة والكتابة (بين 15 و24) في محافظتي دير الزور والرقة سنة 2004هي الأدنى في سورية، حيث بلغت فقط (78,3) في دير الزور و(78,1) في الرقة” بينما المعدل الوطني العام يبلغ 92,5،كما أن “نسبة التلاميذ الذين يصلون الى الصف السادس فيها (المنطقة الشمالية الشرقية) متدنية ففي حلب76% والرقة 82% والحسكة 85%”.
أهم القبائل والعشائر السورية:
العشيرة هي الجماعة التي تنتسب لجد واحد، أما القبيلة فإنها تجمع لعشائر، قد تكون من أصل واحد أو من أصول مختلفة، لا يمكننا المغامرة كثيراً بتحديد أكبرالقبائل عدداً، لعدم توفر الإحصائيات، وسنعتمد على الهامش الوحيد الذي كان متاحاً لظهور النزعة القبلية في العقود الماضية، وهو الانتخابات النيابية، التي كان يترك فيها بضعة مقاعد للمستقلين عن الجبهة الوطنية التقدمية، ويحتدم التنافس عليها بين زعماء القبائل الأكبر عدداً، وتشير تلك النتائج إلى فوز أفراد من قبيلتي العقيدات والبكارة في دير الزور بشكل مطلق، وتناوب على مقاعد المستقلين في الحسكة أفراد من قبائلالجبور وشمروطي والبكارة، وفي الرقة تناوب أفراد من قبائل العفادلة، الولدة، البوخميس، الصبخة، البوعساف، وفي حلب تناوب أفراد من قبائل الحديدين، البوبنا، والبومانع، والبكارة، وفي حماه تناوب أفراد من قبيلتي الموالي والنعيم، وفي حمص تناوب أفراد من عنزة والفدعوس، وفي إدلب يفوز عادةأفراد من الحديديين، وفي القنيطرة يفوز أفراد من قبيلة الفواعرة، أما في درعا فيتناوب أفراد من عشائر المحاميد والمسالمة وأبازيد والزعبي.
وثمة قبائل كردية في الجزيرة السورية، أهمها المليّةوالدقوريوالهفيركان والكيكي والمرسينية.
القبائل والدولة في سورية:
برزت العشائر كمكون اجتماعي متمايز منذ تأسيس الدولة السورية، في المؤتمر السوري الأول عام 1919 الذي أعلن قيام الدولة السورية بنظام ملكي نيابي، أقر قانون انتخابي أعطى كوتا خاصة بالعشائر، ثم خصهم الدستور السوري عام 1928 بالمادة 13 التي تقول”تقوم بشؤون العشائر البدوية إدارة خاصة تحدد وظائفها بقانون يراعي حالتهم الخصوصية”. لكن الرئيس جمال عبدالناصر ألغى هذا القانون في شباط 1959، فنقم عليه شيوخ العشائر الذين أيد معظمهم الانفصال في 1961. ومع وصوله إلى السلطة حرم حزب البعث التعاطي بالثقافة والقوانين القبلية باعتبارها ظاهرة متخلفة وهدامة، لكن قادته استخدموا العشائرية على نحو سري كأداة سيطرة، ومن أقدم وثائقه في هذا الخصوص، الدراسة التي أعدها سنة 1963 الملازم أول محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في الحسكة بعنوان “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية”، وفيها ينصح بتوزيع الأراضي على العشائر العربية لإحداث تغير ديمغرافي في المنطقة الكردية. وفي المراحل اللاحقة اعتمد حزب البعث سياستين للسيطرة على المنطقة القبلية، الأولى تمثلت بإضعاف البنية القبلية، سواء بخلق صراع داخل كل قبيلة عند تهميش طبقة الشيوخ التقليدية وإصعاد فئة من قاع المجتمع القبلي ودعمها لمنافستهم، أو بإقصاء القبائل الكبرى ومنع أبنائها من لعب دور سياسي كبير، ولم تشهد حقبة حكم حافظ الأسد بروز أية شخصية من القبائل الكبرى في الدولة أو الحزب، وعلى سبيل المثال ينتمي ناجي جميل شريك الأسد في انقلابه إلى عشيرة صغيرة جداً وافدة حديثاً إلى دير الزور من سليمة، أما سعيد حمادي القيادي البعثي الأبرز من منطقة القبائل طوال حقبة الأسد الأب، فينتمي إلى أسرة عراقية تقطن مدينة الميادين دون أي امتداد قبلي. وفي عهد بشار الأسد تم اختيار محمد الحسين الذي ينتمي إلى قبيلة ثانوية صغيرة العدد أيضاً، وعلى المنوال ذاته اختير رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب من أسرة وافدة إلى دير الزور من ناحية السخنة قرب تدمر، وليس له أي عمق عشائري أو قبلي يذكر. لكن الأمر اختلف فيما يخص درعا، التي انتقي من عشائرها عدة أشخاص لشغل مناصب الصف الأول في النظام، ويرجع ذلك لكون عشائر درعا صغيرة، ولا تشكل خطراً كبيراً في حال تمرد أو خروج أحد أبنائها عن السيطرة.
أما الإستراتيجية الثانية فهي التفقير والتجهيل، إذا لم تفتتح جامعة في أي من المحافظات الشرقية، إلا في سنة 2006، متأخرة نحو نصف قرن عن باقي مناطق سورية،وتولت رأسمالية الدولة والفساد الممنهج عملية نهب الإنتاج الزراعي للمنطقة القبلية، الذي يمثل نحو 60% من إنتاج البلاد، أما القطاع النفطي في المنطقة التي يستخرج منها كامل الإنتاج السوري، فقد حرم السكان المحليون من العمل فيه، ومنحت وظائفه عالية الدخل لأبناء المنطقة الساحلية، من خلال الأجهزة الأمنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *