التأخر وثقافة الانتحار وتدمير الذات…..

ممدوح بيطار :

      لو  لم  يكن   التراث   مهيمنا  لحد  الآن , لما  كانت  هناك  ضرورة   لنقده  وتحليله  وتفكيكه ,  فالتراث  مهيمن  على   معظم  قواعد  وأحكام  الحياة     المدنية  والروحية  بدرجات  مختلفة   ,  لربما  أقصاها  في السعودية  ,   الا  أن   بقية  المجتمعات  العربية  الأخرى    تخضع  ,  حتى  ولو   لم  يكن  الاسلاميون   على  كرسي  الحكم ,  لسلطة  التراث   وبدرجات  مختلفة .

هناك  وجوه عديدة   لتسلط  التراث   على  قواعد  وأحكام  الحياة  المدنية ,  منها  على  سبيل  المثال  تسلط  التراث  على  قوانين  الأحوال  الشخصية  ,  الا  أن    تسلط  التراث  على  طرق  تعامل  الناس  مع  بعضهم  البعض     لهو   من  أهم  أشكال  التسلط   ,  التراث   المرتشح   بثقافة  الحروب    وغزوات  الماضي  والاجتياح   لأراضي  الغير   لأسباب  كاذبة  ومزورة  , صبغ   الحياة    المدنية     بصبغة   العنف   ,  الذي  لم  يقتصر  على   استخدام   السيف  والبندقية   ,  وانما  تعدى    ذلك الى   عنف  الكلمة ,  وعنف   تصنيع  الاعداء  , ثم  عنف  المواقف  العدائية   ,  التي حولت  الحوار   أو  النقاش  في  العديد  من  الحالات   الى  تعارك   ..الى  مشاجرة ….  الى  محاولة  الفتك  بالطرف  الآخر ,  الذي   يعتبر  في  هذه  الحالة  عدوا    خطيرا  يجب   ابادته    بشكل  ما  … اعدامه   اجتماعيا  أو  اغتياله  نفسيا   , أو  حتى  تصفيته  جسديا.

  لم يعد  الحوار   طريقا  للتفاهم  وانما  وسيلة  لاملاء  الارادة  الى  التلقين  الى  الفرض  الى  الاجبار   ,  واي  تعثر في   ممارسة   هذه  الفروض   يقود  فورا  الى  اعلان  التعبئة   والنفير  العام,  للتمكن  من  تصفية  المحاور   , الذي    يتم  تدجينه   عندئذ  الى   العدو  الحاقد   الكاره , وبذلك  تحليل  دمه , وكم من  المرات   نقرأ  يوميا  تلك  العبارات  التي تصف  المحاور  بالحاقد  الكاره    ,  الذي  يشرعن  حقدا  وكرها مقابلا  ,  اي   أن  العملية   بمجملها  تبادل   للحقد  والكره  .

لم  تعد هناك  امكانية   لممارسة  مقايضة  الحقد  والكره  مع جهات  خارجية   , وذلك   لضعف  الذات  حربجيا   في  هذا  العصر ,  لذلك   تحول  الادمان   على   التحارب  الى      الداخل   , عقلية  ابن  الوليد  وعمر ابن  العاص    وموسى بن  نصير  وشرخبيل  وأبو  عبيدة  والسفاح  والجراح    تحولت الى  قمع    أعداء  الداخل  من   الخونة  والعملاء  والكفرة   الذين  يشككون  بالعروبة  والاسلام  السياسي ,  أي أن  نقد    للعروبة  هو   بمثابة  اتهام   بالبدئ   بالحرب , وبالتالي  وجوب   اعلان  الحرب  على  المعتدي , الذي تجرأ  على  العروبة ,  وفي  هذه الحرب  لاوجود   للقوانين  والأحكام  التي   تحدد  ماهو  ممنوع وما  هو  مسموح     وأي  اسلحة  لايجوز  استخدامها ,  كل  شيئ  مسموح  من  أجل  الدفاع عن  العروبة  والاسلام  والغاية  هنا  تبرر  الواسطة.

لايمثل  التشرب والارتشاح  بثقافة  العنف   ارادة  بشرية  حصرا ,  يظن المقاتلون   على  ساحة  الحوار والنقاش  بأن  الله   داعم   ونصير  لهم  ,  لذا   يرتكسون  بعنف  أشد  عندما  يظنون    بأن حليفهم  الالهي    أو رسله  أو  دينه   قد  تعرض  للازدراء  والاحتقار ,  هنا   نعايش ونتعرض لانفجارات   عاطفية  معنوية ,  تحول  المعركة   الى  قضية  حياة أو  موت من  أجل  المقدسات  ومن   أجل  كرامة   ومعتقدات  مليار  ونصف  من    المسلمين .

  ان  في كل   ذلك  استحضارا  للماضي   ,  لقد  وجد  العنف  الموجه  للخارج   دعما  من  الله  ,  الذي    أمرهم  بنشر  الدين     أي  بالفتوحات ,   في  هذا  التشرب  والارتشاح  بثقافة  الحروب  والظن بأن الله   داعم لها  وهو نصير للمؤمنين   ليس  انعكاس  ذلك على الخارج , الذي  لم يعد يفهم  كيف يفكر العرب  وكيف يحللون ويحرمون  , ولم يعد يكترث   بحروبية العرب  وجهادهم واستشهادهم  وشجاعتهم  ونخوتهم ونفيرهم..الخ حيث   أصبحوا  بحاجة الى ,التي  احتكرت   نظم الحكم العربية  الاستفادة منها مقابل   الدفع  السخي  للخارج  الذي يمارس مهمة “الناطور”  على هذه  الأنظمة , الانعكاس على الداخل هو الأهم بالنسبة للشعوب  المبتلية   بداء   تمجيد ثقافة  الحروب  ثم القتل   في ظل  الجهاد والاستشهاد  الذي  يتم الترويج له  حتى في هذه الأيام .

هكذا  التبس عليهم مفهوم التحضر  , فالتحضر هو  الغزوة  والثراء  (الخلافالأموية)   هو نتيجة مشروعة   ..انهاغنائم  حرب  كتعفيش هذه الأيام .. لم تكن حسب   أحمد قصيد  الا  سعيا وراء المال والنسوان  بشكل أو   بآخر  تم  وضع الحروب في خانة  الفضائل  والغزوات في خانة  الارادة الالهية  ,وبهذا  اكتملت عملية  خداع الذات  وتمهد  الطريق  لانتاج  نوع غريب من الازدواجية  ومن التعالي والغرور , الذي  اصطدم  في هذا العصر مع شح الامكانيات الحربية  التي  تعتمد بالدرجة الأولى على   التقنية  والعلم ولم يعد للسيف والناقة والحصان والشجاعة  والعضلات   أي قيمة تذكر

يتناسب  التخلف    أو التأخر طردا مع التوحش والتحيون  وكلما تضخمت “انسنة” المخلوق  البشري وانتفت  عوامل التخلف  الأخرى  كفرض   النقل  وتحريم  الاجتهاد,ابتعد هذا المخلوق  عن التوحش ,

ممدوح  بيطار :syriano.net

رابط   المقال :https://syriano.net/2019/11

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *