ممدوح بيطار :
تريدون ايها الاسلاميون للدولة دين ولرئيس الدولة دين , لكم ماتريدون!, وبهذا الخصوص نقترح للدولة دين ” القانون” ولرئيسها نفس الدين , هل هناك من معترض ؟
قادت تطورات السنين الأخيرة الى تناسل وتكاثر العديد من الأسئلة , التي تداولها الناس سابقا بالهمس واللمز والصمت المطبق , واليوم تحول التداول الى قدر أكبر من الصراحة , لقد بدأ نزع القداسة عن الأصنام , وتجرأ البعض على الثوابت وعلى المشايخ والرسل والأحاديث والفتاوى , واحتدمت نار الاشتباكات المفاهمية , وتفاقم مفعول الكلمة الطاعنة بالازدواجية والقدرية والاستكانية, ثم محاولة نزع القداسة عن أصناام المقدسات , تجرأ البعض على كل شيئ , ووضع كل شيئ على طاولة الشك والنقد والتشريح , انهم يريدون حياة جديدة !
هناك بدايات علمانية عمرها على أقصى حد قرن واحد , تقارع دينية أصولية عمرها أربع عشر قرنا , تراث اسلامي بهذا العمر يحارب منظومة في عمر الطفولة , تراث يحارب بأسلحة الدمار الشامل ,مثل تلبيس العلمانية ثياب الكفر والالحاد والانحلال والاباحية , بالرغم التفوق المادي للأصولية وبالتالي سيطرتها على وسائل الاعلام , بدأ التراث الماضوي الأصولي بالارتجاج , وذلك قبل استخدام العلمانية لكل أسلحتها , وحتى الحياة الأسيرة لدى المعايير الدينية بدأت بالتخلص والتملص من هذه المعايير , البدايات العلمانية تمكنت من هز حصون التراث وحتى خرقها , التراث يتآكل ويضمر وينمو الشعور بفداحة الأصولية ويتزايد بسرعة ملحوظة .
لايقتصر وجود وتأثير العلمانية على على صياغة المواد الدستورية , انما يشمل الأهم من ذلك ,وهو تحولها الى ثقافة اجتماعية تتجلى تلقائيا بممارسات طوعية , لا تتمكن الدساتير مهما كانت من فرضها , فمن طبائع العلمانية أولية الانتماء للوطن , والدستور لايتمكن عمليا من فرض ذلك على الناس , الا اذا تجذرت هذه الأولوية في وجدان الناس وطبائعهم السياسية والاجتماعية , التجذر يضمن الحد الأقصى من امكانية التطبيق ونجاحه .
بشيئ من المبالغة يمكن القول , بأن القوانين الالهية أي الشريعة , ليست سوى تصورات حياتية أرضية سنها المجتمع الأبوي لضمان استمرارية السلطة الدينية , التي لايمكنها عمليا اعتزال الشهوة للارض , فالكليروس الحاكم للأرض يعيش عليها ومن عرق جبين بشرها ….مبدأ الخمس ثم الزكاة والتبرعات, الكليروس متطفل على الحياة الأرضية … والشريعة تشرعن هذا التطفل وتشجع على اعالة المتطفل وتحمل غلاظته وقذارته , حتى أنه على البشر تحمل اخطائه وفجوره , بتأثير من الشريعة لم يعرف التاريخ الاسلامي ثورة ضد فجور الخلافة وضد شواذاتها وغلمانها وجواريها , انما يعرف وبكثرة لافتة للانتباه الكيديات الشخصية …. أخ الخليفة ضد أخيه والابن ضد أبيه والجارية تجاه مغتصبها … وهكذا مات معظمهم قتلا , أما الخلافة التي هي بكينونتها جوهر الظلم , فلم يصيبها مكروه .
بالعودة الى لب الموضوع والى دين الدولة ودين رئيسها , فهل يمكن للدولة أن يكون لها دين ابراهيمي , وهل تستطيع الدولة ممارسة الصلاة والنطق بالشهادتين , وهل من مصلحة شعب يعاني من الطائفية استكمال التطيف وتعميمه ليصل حتى الى شخصية الرمز والقدوة الوطنية , وهل من العقلانية أن يكون شعارنا …طائفية …طائفية ….طائفية الى الأبد , حتى ولو قتلتنا الطائفية الى الأبد .
قبل الانهماك في تحديد ماهية دين الدولة , علينا أن نعرف ماهي الدولة التي صنعت في أوروبا , هذه الدولة بقيت لحد الآن بدون تعريف محدد باستثناء قيامها على ثلاثية الأرض والشعب والحكم , ,ما يميز الدول عن بعضها البعض يخص بالدرجة الأولى العامل الثالث أي الحكم , انه فيدرالي أو ملكي دستوري , أو جمهوري أو نيابي أو تيوقراطي …الخ , اضافة الى ذلك يريد الفهم الماركسي تحديد طبقة مهيمنة ومسيطرة هي الطبقة العاملة المنتجة ,أما فرنسيا فهناك التركيز على اقتصاد السلطة المركزية , وألمانيا تعني دولة ماكس قيبر المؤسسة الادارية , التي تقوم شرعيتها على احتكار العنف للحفاظ على الدولة ,التي تقوم على الجغرافيا واحتكار العنف وموظفين اختصاصيين وبيوقراطية حاكمة , كل ذلك يمثل تطور مفهوم الدولة من أرسطو حتى يومنا هذا….
بالرغم من كل ذلك وبالرغم من صعوبة تعريف الدولة , لايجوز لهذه الصعوبات أن تقود الى الخطأ القاتل , وهو اعتبار الجزء مرجعية للكل , فالاسلام دين في الدولة , والدولة ليست الاسلام , ولا يمكن أرجاع الجميع الا للجميع , لاتستقيم دولة الجميع مع اسلامية الدولة , لأن الدولة ليست اسلام فقط , والنسب المئوية المخصصة لتعريف الانتماء الشخصي لاتصلح لتعريف الهوية الاجتماعية -السياسية.
اذا كانت هناك حاجة شكلية وهمية نفسية لاعتبار الدولة مخلوق عليه أن يكون له دين , فنحن الآن في عصر لايطلب حتى من الفرد أن يكون له دين , فعدد الملحدين في العالم يتجاوز عدد المسلمين بضعفين على الأقل , وفي القاهرة وحدها يقال بوجود 4 ملايين ملحد , ودين 10% من الشعب العراقي بدون دين , لذلك فان تحديد دين للدولة لايمثل اغتصابا لبقية الأديان فقط , وانما اغتصابا لمن لادين له .
لالصاق دين بالدولة مضاعفات خطيرة تتعلق على سبيل المثال بالتعامل مع الملحد , الذي يحاربه ويجرمه الدستور السوري الحالي , ومن قال بأنه ليس للملحد دين ؟؟ فدينه هو اللادين , هناك مضاعفات تتعلق بالقيم كالأخلاق وبالأحوال الشخصية وبقانون العقوبات وحتى بالاقتصاد وتحديد السياسة الخارجية كالأحلاف , وحتى السياسة الداخلية , لذلك فانه من الأنسب أن يكون “القانون ” دين الدولة ودين رئيس الدولة , فالقانون هو المحدد الوحيد لماهية دولة الجميع وليس دولة البعض .
لوحة العودة للديار , المرأة هي الوعد الأخير بالحياة
