الانتصار على الذات وعلى ديكتاتورية ” النسبة”
نيسرين عبود :
حين تنهض الشعوب مطالبة بحقوقها المهدورة , كرد فعل على الاستباحة والظلم والاستبداد الذي طالها , وانتصرت على الظلم والظالم , عليها هنا تحويل الانتصار الى نجاح , على المنتصر هنا أن يتجاوز مافعله المستبد بها , لايمكن أن يتحول الانتصار الى نجاح دون القضاء على أساليب الظالم في ممارسة ظلمه , والقضاء على الأساليب الساقطة لايتم دون امتناع المنتصر عن استخدام تلك الأساليب , التي ثار عليها وانتصر , فمن انتصر على الالغاء والاقصاء عليه أن لايمارسه ,والأمر مشابه بالانتقام, من انتصر على اللاقانونية ,عليه أن يكون قانوني , وكونه قانوني عليه بالمحاسبة القانونية ,والا يتحول النصر الى فشل ,والفشل هو نقيض النجاح.
لايعني الثأر البدوي أقل من سقوط المجتمع في مطب النبذ والنبذ المتبادل , مما يضفي على الانتصار صفة “الانقلاب” على الشخص , وليس التخلص من ثقافة هذا الشخص , الثأر تنكص باتجاه المحذور والمرفوض , فمن يمارسه يبقى مراوحا في مكانه , اذ لاتقدم مع الثأر , وانما عودة الى سابق العهود !.
هناك نماذج مختلفة من مسلكيات المنتصر , هناك نموزج “السحل” العراقي ونموذج الذبح الداعشي , ثم نموذج تطوير الانتصار الى نجاح كما حدث في جنوب أفريقيا , حين رفض مانديلا وحزبه ممارسة الانتقام , وحين رفضت الثقافة الغاندية ممارسة الانتقام , وحين مارست الفصائل الاسلامية في سوريا من التوحش مافاق توحش الأسدية ….هناك العديد من الأمثلة الموضحة والمؤكدة , على أن الانتصار الحقيقي , وهو مايسمى النجاح , لايتم الا بالوصول الى حالة معاكسة للحالة التي سادت قبل الانتصار …..قبول الآخر بدلا من اقصائه , هو البرهان على النجاح على الاقصاء بغض النظر عن مصير الظالم , الذي يفقد الأهمية , مقارنة مع النجاح في تكريس وترسيخ قيم المستقبل الأفضل , البعيد عن العنف , الذي يدمر كل مقدرة على النهوض ….لاجدوى من دوامة العنف ,
اين العرب من كل هذا ؟وهل هناك من وقفة حكيمة تبعدنا عن جنون الصوملة والأفغنة , أليس من الملاحظ بأن مايسمونه “ثورة “بحاجة الى ثورة أكثر من حاجة الأسدية للثورة , هل يعرف العالم وثوراته ثورة انحطت بها القيم والممارسات الى حد تفوق الظلم والفساد والاستبداد أخلاقيا وممارسة عليها نظريا وعمليا .
ماذا يريد ثوار الفصائل بغض النظر عن رأس العلوي واستبداله برأس سني؟؟ هل يريدون فعلا نشر الديموقراطية واقامة العلمانية وتحقيق العدالة الاجتماعية, ثم الالتزام بمبادئ الحرية , وهل يمكن لعاقل تصديق مقولة ثورة من أجل الحرية والديموقراطية بقيادة الفصائل , والأمثلة عن فهمهم ومفاهيمهم عن الحرية والديموقراطية ماثلة أمام عيوننا , ولماذا يشتمون داعش وهم أكثر داعشية من داعش ,وهل يظنون بأن الشتم هو الوسيلة المثالية لازالة الشبهة , أو اليقين بأنهم دواعش بوافر من المقدرة على السباب والشتيمة الكاذبة , وكيف يمكن تصور موقفهم من داعش فيما لو انتصرت داعش ….ساذج من يعتقد بأن الآخرين سذج !
يمثل انتصار ثورة أو حركة أو حرب الفصائل هزيمة منكرة ومميتة لسوريا , وهل تمثل خلافة أبو بكر الجولاني أوالبغدادي أو الشيشاني نجاحا حياتيا ؟؟وهل الأفغنة أو الصوملة تقدم ورقي ؟؟وهل صيغة العصر الجديد بالانتقال من “أنا” المواطنة الى ” أنا ” الجماعة أو الفصائل مساهمة في بناء وطن ؟؟؟
لاجدوى من الانتصار على الآخر المتآمر , أو على العدو الوهمي ,لأنه لاعلاقة للآخر بوضعنا المذري , والانتصار على الآخر مستحيل اضافة الى ذلك , علينا الانتصار على ذاتنا الفاسدة الجاهلة المنحطة أخلاقيا , فمهما كان الحاكم سيئا أو جيدا , سوف لن ينجح بارساء قواعد الديموقراطية والحرية في دولة اسمية قوامها طوائف وعشائر ,ففي الدولة الاسمية تصبح الانتخابات شكلية ,وتقود الى تغيير الأسماء شاقوليا دون أن تؤثر على البنية السياسية أفقيا .
لطالما يرسم الدين الحدود السياسية , فستقع البلاد في مطب الديكتاتورية القائمة على نسب جامدة , انها ديكتاتورية “النسبة ” أو ديكتاتورية “الغلبة” الأسوء بدرجات من ديكتاتورية الشخص , لا يمكن اقامة أي شكل من أشكال الديموقراطية سوى على أساس نسب متغيرة سياسية حصرا , لايمكن أن تكون النسب متغيرة الا اذا كانت سياسية.
الغير ليس سبب شقائنا , لذا لابد من التخلي عن وهم الانتصار على الغير , أصلا الانتصار على الغير “المتآمر ” مستحيل , لابد من تبني واقعية وضرورة الانتصار على الذات اولا , الذات الديكتاتورية المتأخرة المستعمرة من قبل جهلها وطائفيتها ودونيتها المسلكية والأخلاقية,الذات الغير مؤهلة لبناء الأوطان , ثم تأهيلها لبناء الأوطان …عندها نكون قد نجحنا في الحياة !
Post Views: 611