المخلوق الهلامي !

جورج  بنا :

    *  لماذا لم نتمكن من اقامة منظومة شخص المجتمع وبقينا في منظومة مجتمع الأشخاص , أي اللامجتمع ؟؟؟
هناك العديد من الأسباب منها مثلا تكوينة المجتمع الذكوري , ومنها تأثير البدوبة علينا , فالمجتمع هو سمة الحضر وليس سمة جماعة الترحال والتنقل , الأهم من كل ذلك هو هيمنة الدين , والدين ليس خاصة اجتماعية وانما خاصة فردانية , هذا الأمر انتقل الى الجماعة التي تحولت الى جماعة الأشخاص ولطالما الدين الشخصي هو المؤثر الأساسي على الجماعة , فانه ليس من المستطاع اقامة منظومة أشخاص في المجتمع بدلا من مجتمع الأشخاص .
الدين يتدخل في الشخص ووجوده وسلوكه وممارساته, وحتى في علاقة الرجل بالمرأة , وفي تنظيم علاقات الزواج والطلاق , وفي طريقة المأكل والمشرب والملبس ,باختصار, يتعامل الدين مع الناس على أنهم أدوات, أشياء, يمكن تشكيلهم وصياغتهم كيفما يريد الدين , أي إنه يتعامل معهم على أنهم “قاصرون” ,وبحاجة إلى إعادة إنتاج وعي خارجي …خارج ارادتهم وتطلعاتهم ,وعي مستورد يخلصهم من محنة القصور الذاتي, بمعنى أنهم ناقصوا التكوين العقلي والنفسي, ويجب اعادة تشكيلهم وفق رؤيته, ليكونوا على مقاسه ووفق تصورات تصوراته وخاصة نصوصه ,ليس هذا فحسب , وإنما يفتح لهم خط سير مباشر مع السماء, لتأمين راحتهم الأبدية في مكان مملوء بالأسرار والطقوس والنساء , لذا يتعلقون بالحياة ما بعد الموت بهدف ايصالهم إلى الخلود.
يصادر الدين المجال العام وخصوصية الفرد وحريته , ويضعها في إطار علاقات عامة,ترتبط بنهج الدين وتصوراته , مما يقود الى خلق مجموعات نمطية ,متجانسة ومستلبة ,منفصلة…ومنغلقة عن شروط زمانها ومكانها , لذا يتعذر على الأفكار الأخرى الرادفة او الوافدة اختراق جدار الدين أو تفكيك نصوصه التاريخية المعبأة بكتل كبيرة من المصالح والغايات والأهداف , بشكل عام ومختصر يمكن القول بأن ثقافة الدين الشخصي لاتنتج سوى الأشخاص أي مجموعة الأشخاص , وليس أشخاص في المجموعة , وهذا هو النقيض من التشكيلة البشرية الضرورية للحياة الاجتماعية (مجتمع), حياة التكافل والتضامن والعقد الاجتماعي , لاتسمح ثقافة الدين من اقامة ماهو أرقى من القبيلة أو العشيرة .
لانهاية للتعبأة المفهومية القائمة على الأوامر والنواهي , ثم التهديد والوعيد وممارسة الارهاب والترهيب من النار , ليتحول الانسان الى خائف ومضطرب ومطارد من الجن والشياطين , وبذلك يتم تليينه الى مجرد الشيئ “الهلامي” , قطعةً يمكن قولبتها أو لفها وبرمها كما يشاء الدين , قطعة لاقوام لها ولا شخصية ولا شكل .
لقد انفرد الدين باحتلال واحتكار المجال العام في القرون الوسطى,بعد أن قضى على عصر الآلهة المتعددة الغني بالقيم الإنسانية غير المؤدلجة وبالأفكار المنفتحة, والمليء بحقول الفلسفة والبحث العلمي ,والنظرة النقدية إلى الانسان والكون,ففي  ظل  تعدد  الآلهة نشأت  حضارات لامثيل   لعظمتها   في   ظل   التوحيد !

*قصي طارق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *