نبيهة حنا:
* في سوريا , تصارعت السلطة بكتائبها مع الأصولية بفصائلها ,ومن راقب الحدث عن كثب وصل الى القناعة التي تقول بأن القيم الأخلاقية تبخرت عند الجميع وبشكل كامل ,
يخضع تقييم التبخر والمتبخر لمعايير مختلفة , فما هو اخلاقي ومطلوب من كتائب الاسد التي تجلس على كرسي السلطة ليس بالتمام ماهو أخلاقي ومطلوب من الفصائل التي خاضت حربا غير متناظرة مع كتائب الأسد , التي تدعي تمثيل البلاد ثم انها تدعي الشرعية الدستورية , الفصائل على العكس فهم يمثلون في أحسن الأحوال انفسهم , وليس لهم شرعية دستورية , ولم يكسبوا الشرعية الثورية لانتفاء وجود ثورة بعد عام 2012.. بشكل مختصر تختلف النظرة للسلطة المعترف بها دوليا عن النظرة للفصائل الاسلامية, خاصة وان هذه الفصال لم تكسب للعديد من الأسباب الشرعية الثورية , والأسدية للعديد من الأسباب فقدت الشرعية السلطوية , أو بالأصح لم تملكها في يوم من الأيام .
الوضع السوري غريب عن المألوف , وقصة التوريث في النظام الجمهوري السوري هي من أهم مواطن الغرابة , التوريث لم يكن صدفة , وانما عن سابق عمد وتصميم وثقة بضرورته وأحقيته , لايمكن تبرير التوريث الا عن طريق “السلالة ” فسلالة الأسد , كما يظن الأسد واتباعه, هي سلالة متفوقة ! , وقد بدأ حافظ الأول بتنظيم ذلك مبتدئا بابنه الأعمر باسل , ولما عارض موت باسل هذه الخطة , تحول حافظ الأول الى بشار الأول , وكل شيئ يوحي على أن بشار الأول يريد توريث حافظ الثاني , وفي هذا المفصل التوريثي عارضت الثورة , التي لاتريد السلالة ولا تشتري عائلة الأسد وحكم عائلة الأسد بفرنك سوري واحد , تم اخماد الثورة قسرا بعد عمر قصير , وحل محلها اقتتال طائفي لايعرف التاريخ له في انحطاطه شبيها .
قبل 1333 عام حدث ماهو غريب بعض الشيئ , تنازع الأطراف على السلطة , المعارك التي انتهت برفع رأس الحسين على الرمح والتجوال بالرأس المبتور في الكوفة ,قتل الحسين في كربلاء مع اتباعه بعد خطبة عاشوراء , التي أوضح الحسين بها أساس المشكلة, المشكلة كانت في التوريث السني !, اليوم نجد أنفسنا في وضع مقلوب , العلوي -الشيعي بشار الأسد يريدها وراثة الى الأبد , وأتباعه مقتنعون بحقه في الارث والتوريث , الا أن معظم الشعب السوري غير مقتنع بأحقية وفوقية الأسد ودونية الشعب , لذا ثار الشعب على عائلة الأسد كما ثار شعب الحسين الشيعي على يزيد السني , والمفارقة تكمن هنا في محاولة اتباع المنظومة الأسدية تبرير احداث الحاضر بأحداث الماضي , الماضي يظهر يزيدا على أنه مستبد , والحاضر يثبت على أن الأسد مستبد ..هذا سني والآخر شيعي , وكيف على الفقه الشيعي أن يستنكر يزيد ويناصر الأسد ؟؟ وكيف على هؤلاء اعتبار الحسين قدوة , ثم اعتبار الثورة على المستبد الأسد منكرة ؟.
حقيقة كانت فاجعة كربلاء مصدرا لدرس تاريخي عظيم , وكان من الممكن الاستفادة من هذا الدرس حتى في هذا العصر,الا أن العرب بشكل عام لايميلون الى المراجعات التصحيحية الاصلاحية , ويبدو وكأن روح كربلاء كانت مفتقرة للحس الديموقراطي ولمبدأ أحقية الحاكم في الحكم , وليس حق االحاكم في الحكم, فحق الحاكم يعود الى حق آخر متنازع عليه بين أهل البيت والصحابة …حق السلالة بغض النظر عن أحقية المرشح للحكم , الأحقية تعود الى خصائص المرشح ومقدراته وليس الى سلالته , من كربلاء بقي الحق السلالي وبقي السخاء في هدر الدماء , ثم ممارسة العنف المتوحش , وما اللطميات سوى رمز للعنف وتمجيد لهدر الدم , انهم يحتفلون بهذه المناسبة حتى في دول لجوئهم , يحتفلون بالعنف والدم والحرب والسلالة والقتل والتأر والتوعد والتهديد وتمظهرات العدائية , كربلاء رمزا للانحطاط , والانحطاط الأعظم كان ممارسة اللطميات والاحتفاء بالدم والمنف والكراهية في شوارع دولة قدمت لهم الحب والسلم والرعاية .
عاشت هذه الشعوب قرونا عديد تحت نير الذل والمهانة , وكل تلك القرون لم تعرف ثورة شعبية واحدة , وانما اقتتالات من أجل الأشخاص , لظاهرة انعدام الثورات الشعبية علاقة بشراثة الحاكم وفقره الحضاري , الذي رتبه في الغابة حيث الوحوش يعيشون ,كل ذلك قاد الى حدوث تشوه في النسق الاجتماعي , تشوه محبب دينيا لأنه يحقق شروط الانصياع والطاعة وتأليه ولي الأمر .
بما أننا تراثيون ونتأثر بالتراث الذي نمجده ونتقبله , والتراث في هذا الخصوص هو تراث العنف والدم والكره والرفض من جهة , ومن جهة أخرى ممارسة الانصياع وطاعة ولي الأمر , لذلك لاعجب من سقوط ثورة كان لها أن تنجح قبل عقود ….ثورة مكتملة الأسباب , الا انها منقوصة الوعي بها ومنقوصة المقدرة على العمل من أجلها …. ثورة بدون ثوار!
*كربلاء
